الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد.
لقد بدأتُ هذه السلسلة مستلهما دور (النحلة) اتنقَّل من زهرةٍ في أفانين التفسير إلى زهرة؛ أجمع رحيقها فرائدَ وشواردَ قيَّدها علماءٌ ثقاتٌ في تدبر وتفهُّم معاني كتاب الله-تعالى-ودلالاته، وبلاغته، وإعجازه، وتربيته للمؤمنين، ومنهجيته الراقية في ضبط إيقاع الحياة على ربانية الحق والإصلاح.
قرأتُ جميع ما وقع بين يدىْ في تفسير كل آيةٍ وتأملتها حرفًا حرفًا، ثم سجَّلتُ ما راق أسلوبه، ونضجت فكرته، وعمَّت فائدته، ودقَّت تفاصيل بلاغته، وألهمت دلالاته.
كنتُ أجمع، وأرتِّب، وأنضِّد، وأعيد الصياغة حينا، وأقرِّب الفكرة، وأبسِّط اللغة وعلوم البلاغة حينًا حتى يتسق ما جمعتُ في سياقٍ واحدٍ، لم آلُ فيه جهدي أن يجمع ما ندَّ وفذَّ وعزَّ من تأملات أهل المعاني والتفسير.
ومع تقدم قلمي في البحث والتنقيب تأملت وتدبرت عظمة لغة القرآن ودلالاته، وعلى أساس هذا التدبر صرتُ إلى المقارنة بين الآراء والترجيح بآليةٍ تتخذ (لغة القرآن) -بكل ما تعنيه الكلمة من معنى-في شمولٍ للعلاقات الداخلية التي تنتظم نظم القرآن ودلالاته وِفق (نظامٍ) و (نُسُقٍ) و (سياق) قرآنيٍ واحدٍ متصلٍ في القرآن كله بدءا من الحرف إلى الكلمة، فالجملة، فالآية، فالآيات، فالسورة، فالقرآن كله كأنه، بل هو"كلمةٌ واحدةٌ"يعود أوله على آخره، ويتناسق تناسقا رائعا فيما بين آياته.
هذا النسق أو النظام أو الاتساق أو السياق القرآني الممتد يكمِّل بعضه بعضا في كتاب الله يؤكد (تكاملية) و (انسيابية) المنهج الرباني و (تمامه) في آيات الله تعالى وفي (بنية) كتابه العظيم.
وهذه العلاقات والمعاني يجب أن يبحث عنها المؤمنون بأن هذا القرآن هو منهج هدى متكامل للبشرية جميعها كما قال ربنا في أول تعريفٍ لكتاب الله تعالى يصادفه القارئ لكتاب الله في أول سورة البقرة {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} .