فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 604

وكتاب الله تعالى كتابُ منهجٍ وهداية، ولم يكن قط كتابًا تمحَّض في فلسفةٍ وجدالٍ، أو كتاب تاريخٍ وسيرةٍ، أو كتاب مسائلٍ واختلافٍ للفقهاء، أو كتاب لغةٍ ونحو وصرفٍ، أو تصوفٍ وحكايات، أو كتاب أفكار وأحزابٍ وتوجهات. ولا ننكر أنه حوى كل العلوم إشارةً وتنبيهًا لعظمته وإعجازه.

مَن فهم هذا وتلافى في تدبره الإفراط في توجيه كتاب الله تعالى إلى ما لم يكن يوما موجها إليه.

مَن فهم هذا وعرف أن كتاب الله تعالى حوى كلَّ خيرٍ، وحذَّر من كل شرٍ. وأنَّ فيه من كل العلوم، ويحوي من الإشارات ما يتكشَّف على مدى الدهر للفهوم، (ولكن) مع كون ذلك على الإجمال، (وفي إطار) كونه كتاب الهداية الأعظم والمعجزة لمنهج هذا الدين؛ الذي تدوم إعجازيته ويزيد جماله وجلاله على مر الدهور.

وأتذكر هنا قول الشيخ محمد عبده رحمه الله:

التكلم في تفسير القرآن ليس بالأمر السهل، وربما كان من أصعب الأمور وأهمها، وما كل صعب يترك. ولذلك لا ينبغي أن يمتنع الناس عن طلبه. ووجوه الصعوبة كثيرة.

أهمها: أن القرآن كلام سماوي تنزَّل من حضرة الربوبية التي لا يُتوهَّم إدراك كنهها على قلب أكمل الأنبياء. وهو يشتمل على معارفَ عاليةٍ، ومطالبَ ساميةٍ، لا يشرف عليها إلا أصحاب النفوس الزاكية، والعقول الصافية، وإن الطالب له يجد أمامه من الهيبة والجلال الفائضين من حضرة الكمال ما يأخذ بتلبيبه، ويكاد يحول دون مطلوبه، ولكن الله تعالى خفَّف علينا الأمر بأن أمرنا بالفهم والتعقل لكلامه؛ لأنه إنما أنزل الكتاب نورًا وهدىً، مبيِّنًا للناس شرائعَه وأحكامَه، ولا يكون كذلك إلا إذا كانوا يفهمونه.

والتفسير الذي نطلبه هو فهم الكتاب من حيث هو دينٌ يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فإن هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث فتابعٌ له أو وسيلةٌ لتحصيله.

وقال رحمه الله: وقد عرفت أن الإكثار في مقصدٍ خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهي، ويذهب بهم في مذاهبَ تنسيهم معناه الحقيقي؛ لهذا كان الذي نعني به من التفسير هو ما سبق ذكره، أي من فهم الكتاب من حيث هو دينٌ، وهدايةٌ من الله للعالمين، ويتبعه بلا ريب: بيان وجوه البلاغة بقدر ما يحتمله المعنى وتحقيق الإعراب على الوجه الذي يليق بفصاحة القرآن وبلاغته أي عند الحاجة إلى ذلك كالمسائل التي عدوها مشكلة، وربما نشير أحيانا إلى الإعراب من غير تصريح بعبارات النحو الاصطلاحية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت