فهرس الكتاب

الصفحة 466 من 604

كما نفعل ذلك في بعض نكت البلاغة أو قواعد الأصول، حتى لا تكون الاصطلاحات شاغلا للقارئ عن المعاني، صارفةً له عن العبرة. انتهى [1]

وإن منطلقنا من أن كتاب الله كتاب هدايةٍ، يفرض علينا في تدبرنا لآياته أن نقف مع كل حرفٍ في كتاب الله تعالى نقرِّب بلاغته وعظيم دلالاته في منهج السماء بقدر طاقتنا في ذلك. وأحسب هذا مقصود قوله -عليه الصلاة والسلام-: «مَن قرأَ حرفًا من كتابِ الله فَلَهُ بِهِ حسنة، والحسنةُ بعشر أمثالها، لا أَقول: «الم» حرف، ولكن «أَلف» حرف، و «لام» حرف، و «ميم» حرف» أخرجه الترمذي بسند صحيح عن ابن مسعود.

فإن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعظم كانت كتاب الله وهو عين منهجه. فالمعجزة تحرس المنهج، والمنهج يحفظ المعجزة. وتفهم بلاغة اللغة القرآنية هو تفهم للمعجزة القرآنية الكبرى وهو بعينه إدراك لطبيعة وعظمة المنهج الإسلامي برمته.

وهذا معنى ما رواه الشيخان عَن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ:"مَا من الْأَنْبِيَاء نبيٌّ إِلَّا أعطي من الْآيَات مَا مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتيت وَحيا أوحاه الله إِلَيّ، فأرجو أَن أكون أَكْثَرهم تَابعا يَوْم الْقِيَامَة".

ورحم الله تعالى الشيخ عبد القاهر الجرجاني (المتوفى: 471 هـ) في فاتحة (دلائل الإعجاز) يصف سذاجة الحديث عن حدٍ (أو تعريف) يسير للفصاحة والبلاغة والبراعة فيقول:

(ولا يكفي أن تقولوا:"إنَّه خُصوصيةٌ في كيفيَّة النَّظْم، وطريقةٌ مَخْصوصةٌ في نَسَق الكَلِم بَعْضِها على بَعض"، حتى تَصِفوا تلكَ الخصوصيةَ وتُبَيِّنوها، وتذكروها لها أمثلةً، وتقولوا:"مثْلَ كيتٍ وكَيْتٍ"، كما يذكر مَنْ تَسْتوصِفُه عَمَلَ الدَّيباج المنقَّش ما تَعْلَم به وجْهَ دِقَّةِ الصنعة، أَوْ يَعْمَلهُ بينَ يديكَ، حتى تَرى عِيانًا كيف تَذْهبُ تلك الخيوطُ وتَجيءُ؟ وماذا يَذْهَبُ منها طُولًا وماذا يَذهب منها عَرْضًا؟ وبِم يَبْدَأ وبم يُثَنِّي وبِمَ يُثَلِّثُ؟ وتُبْصِرُ منَ الحِسَابِ الدَّقيق ومِنْ عجيب تصرف اليد، ما تعلم معه مكانَ الحِذْقِ ومَوضِعَ الأُستاذيَّة .... وإِذا كان هذا هكذا، علمْتَ أنه لا يكفي في علمٍ"الفصاحةِ"أن تَنْصُبَ لها قياسًا ما، وأن تَصِفها وصْفًا مُجْملًا، وتقولَ فيها قولًا مُرْسَلًا، بل لا تكونُ مِن مَعرفتها في شَيءٍ حتى تُفصِّل القولَ وتُحصِّلَ، وتضعَ اليدَ على الخصائصِ التي

(1) تفسير المنار (1/ 17) باختصار يسير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت