فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 604

قال المولى عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) } (البقرة: 65، 66)

في هذه الآيات يمتد الحديث عن إنعام الله تعالى على بني إسرائيل ومقابلتهم نعمة الله تعالى بالكفران والجحود، وقد تحدثت الآيات فيما سبق عن رفع الطور فوق القوم تهديدًا لهم حين حُمِّلوا التوراة ولم يحملوها، قال لهم ربنا تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) }

(وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من الهداية، ذكَّرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة، والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ(64) } ). [1]

و (التولي) كما قال الأصفهاني: أصله الإعراض عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى. وهو هنا الإعراض المتكلِّف بما يُفهِمه تصريفها على ''التَّفَعُّل'' - قاله الحرالي. وذلك لأن النفوس إذا توطنت على أمر الله فرأت محاسنه في الفطرة الأولى لم ترجع عنه إلاّ بمنازعة من الهوى شديدة. [2]

لقد أعذر الله تعالى إليهم بعد رأوا الآيات والمعجزات تبين ساطعةً لكل بصير. ثم أخذ عليهم المواثيق مرةً بعد مرةٍ بما فيه صلاحهم من تنظيم لمنهج الحياة بالشرع الرباني العظيم، ولكنهم أبوا إلا ادعاء الإيمان دون الاعتداد بتكاليفه وتبعاته، فلم يقبل الله تعالى دعواهم،

(1) تفسير المنار امحمد رشيد رضا (1/ 284) .

(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (1/ 462)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت