فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 604

الضلالة، ومثله الطبع في قوله تعالى: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) } [النساء: 155، 156] وكذلك قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) } [النحل: 108] ، والأكنة في قوله سبحانه: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) } [الكهف: 57] . انتهى. [1]

قال أبو حيان: شبَّه تعالى قلوبهم لتأبيها عن الحقِّ، وأسماعهم لإِضرابها عن سماع داعي الفلاح، وأبصارهم لامتناعها عن تلمح نور الهداية، بالوعاء المختوم عليه، المسدود منافذه، المغطَّى بغشاء يمنع أن يصله ما يصلحه، وذلك لأنها كانت - مع صحتها وقوة إدراكها - ممنوعة عن قبول الخير وسماعه، وتلمح نوره، وهذا بطريق الاستعارة .. ا. ه.

قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} وعيد وبيان لما يستحقونه في الآخرة من العذاب العظيم؛ ووصفُ العذاب بكونه عظيمًا لتأكيد ما يفيده التنكيرُ من التفخيم والتهويل والمبالغة في ذلك.

1.قال ابن عطية في المحرر الوجيز: معنى الكفر مأخوذ من قولهم كفر إذا غطى وستر، ومنه قول الشاعر لبيد بن ربيعة: في ليلة كفر النجوم غمامها ... أي سترها ومنه سمي الليل كافرًا لأنه يغطي كل شيء بسواده .. ومنه قيل للزراع كفار، لأنهم يغطون الحب، ف"كفر"في الدين معناه غطى قلبه بالرِّين عن الإيمان أو غطى الحق بأقواله وأفعاله. ا. ه.

[وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: كُفْرُ إِنْكَارٍ، وَكُفْرُ جَحُودٍ، وَكُفْرُ عِنَادٍ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ.

فَكُفْرُ الْإِنْكَارِ: أَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ أَصْلًا وَلَا يَعْتَرِفَ بِهِ (ككفر الملاحدة والماديين في عصرنا) .

وَكُفْرُ الْجَحُودِ هُوَ: أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ وَلَا يُقِرُّ بِلِسَانِهِ كَكُفْرِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِ الْيَهُودِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:"فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" (89 - الْبَقَرَةِ) .

وَكُفْرُ الْعِنَادِ هُوَ: أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَيَعْتَرِفَ بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِينُ بِهِ كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ عم الرسول حَيْثُ يَقُولُ: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا

لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارِ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا.

(1) راجع {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 250 ـ 251} ، {تفسير القرطبى حـ 1 صـ 185 ـ 186} ، {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 48} بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت