وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: 4، 5] وكان عليه السلام حريصًا على أن يؤمن قومه جميعًا حيث قال الله تعالى له: {فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ على ءاثارهم إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بهذا الحديث أَسَفًا} [الكهف: 6] ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك، فإن اليأس إحدى الراحتين. انتهى [1]
وقوله تعالى: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة} .
هذه الجملة جاريةٌ مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} [البقرة: 6] وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم وعلى أسماعهم ختمًا؛ وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب، فالجملة استئناف بياني يفيد جواب سائل يسأل عن سبب كونهم لا يؤمنون، وموقع هذه الجملة في نظم الكلام بعد ذكر أحوال الكافرين في مقابل موقع جملة {أولئك على هدى من ربهم} [البقرة: 5] بعد ذكر أوصاف المتقين؛ فلهذه الجملة مكانة تبيِّن ذم أصحابها بمقدار ما لتلك من المكانة في الثناء على أربابها.
والختم حقيقته السد على الإناء والغلقُ على الكتاب بطين ونحوه مع وضع علامة مرسومة في خاتَم ليمنع ذلك من فتح المختوم، فإذا فُتح علم صاحبه أنه فتح لفسادٍ يظهر في أثر النقش، وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر .. (قال القرطبي: ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه .. وقال أهل المعاني: وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والرَّيْن والموت والقساوة والانصراف والحَمِيّة والإنكار. ا. ه.) .
والغِشاوة فِعالة من غشاه وتغشاه إذا حجبه .. فغشاوة بمعنى حجاب.
(قال الفخر: الفائدة في تكرير الجار في قوله: {وعلى سَمْعِهِمْ} أنها لما أعيدت للأسماع كان أدل على شدة الختم في الموضعين؛ على القوب وعلى الأسماع. ا. ه.)
وليس الختم على القلوب والأسماع ولا الغشاوة على الأبصار هنا حقيقةً كما توهمه بعض المفسرين؛ بل ذلك جار على طريقة المجاز بأن جعل قلوبهم أي عقولهم في عدم نفوذ الإيمان والحق والإرشاد إليها، وجعل أسماعهم في استكاكها عن سماع الآيات والنذر، وجعل أعينهم في عدم الانتفاع بما ترى من المعجزات والدلائل الكونية، كأنها مختوم عليها ومحجوبٌ دونها إما على طريقة الاستعارة أو التمثيل أو المجاز المرسل .. والختم في اصطلاح الشرع استمرار الضلالة في نفس الضال أو خلق
(1) {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 37}