اعلم أن الله عزّ وجل صدر هذه السورة بأربع آيات أنزلها في المؤمنين وبآيتين أنزلهما في الكافرين وبثلاث عشرة آية أنزلها في المنافقين.
فأما التي في الكفار لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال: هذا حال الكتاب مع المؤمنين به وهو لهم الهدى والنور؛ فما حاله مع الكافرين؟ قال سبحانه: {إِنَّ الذين كَفَرُوا سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ} .
وهذا انتقال من الثناء على الكِتَاب الكريم والمهتدين به، ولما كان الشيء يظهر بضده انتقل إلى الكلام على الذين لا يحصل لهم الاهتداء، وسجَّل أن حرمانهم من الاهتداء إنما كان من خبث أنفسهم، فما كانوا من الذين يفكرون في عاقبة أمورهم ويحذرون من سوء العواقب فلم يكونوا من المتقين ولم يتلقوا الإنذار بالتأمل والتعقل، فكان الإنذار عندهم وعدمه سواء ..
(قال صاحب الكشاف: {سَوَآء} اسم بمنعى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى: {تَعَالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم} [آل عمران: 64] {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ} [فصلت: 10] بمعنى مستوية، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه.) .. معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم ألبتة رجاء القبول بوجه؛ فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم ..
وإنما قطعت هذه الجملة عن التي قبلها لأن بينهما كمال الانقطاع والمقابلة في المواقف؛ إذ الجمل السابقة لذكر الهدى والمهتدين، وهذه لذكر الضالين. ا هـ [1]
وإن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص، فالمقصودون هنا من حكم الله سبحانه وقضى بموتهم على الكفر والهلاك وذلك بقرينة الآية بعدها تبين خصوص معناها .. وإنما أراد به بعض الكفار الذين ثبتوا على كفرهم، كما روي عن صفية بنت حيي بن أخطب قالت: رجع أبي وعمي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى في هذا الرجل؟ فقال: إنه نبي، فقال: ما رأيك في اتباعه؟ فقال: رأيي أن لا أتبعه، وأن أظهر له العداوة إلى الموت.
قال الفخر:
اختلف أهل التفسير في المراد ههنا بقوله: {الذين كَفَرُوا} فقال قائلون: إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال آخرون: بل المراد قوم من المشركين، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم، وهم الذين جحدوا بعد البينة، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما قال الله تعالى: فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ
(1) راجع {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 244} و {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 38 ـ 39} باختصار وتصرف