قلتُ-جامعه: وفي هذا نكتة التعريض بالمشركين واليهود الذي حسدوا رسول الله صى الله عليه وسلم على الرسالة واقترحوها لغيره. فكأن الآية تقول أنه سبحانه أعلم لمن يعطي رسالته، ولا يغلبه على أمره ذلك أحد.
وعند هذا المقطع من قصة إبراهيم، يلتقط السياق دلالته وإيحاءه، ليواجه بهما الذين ينازعون الأمة المسلمة الإمامة وينازعون الرسول-صلى الله عليه وسلم-النبوة والرسالة ويجادلون في حقيقة دين الله الأصيلة الصحيحة:
«وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ؟ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ. قالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ»
وفي اللغَة: {سَفِهَ نَفْسَهُ} امتهنها واستخفّ بها وأصل السفه: الخفة ومنه زمام سفيه أي خفيف. {اصطفيناه} أي جعلناه صافيًا من الأدناس مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى والمراد اصطفاؤه بالرسالة والخلَّة والإِمامة العظمى. {وصَّى} التوصية: إِرشاد الغير إِلى ما فيه صلاح وقربة. [1]
إذن تلك هى الحقيقة التي تعلق بها الآيات وتختم سياقها بها: إن الدين الحق هو ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، إنه الإسلام بمعناه الكبير الذي يعني التوحيد والاستسلام الكامل لأمر الله تعالى.
(هذه هي ملة إبراهيم. الإسلام الخالص الصريح. ولم يكتف إبراهيم بنفسه إنما تركها في عقبه، وجعلها وصيته في ذريته، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه. ويعقوب هو إسرائيل الذي ينتسبون إليه، ثم لا يلبون وصيته، ووصية جده وجدهم إبراهيم! ولقد ذكر كل من إبراهيم ويعقوب بنيه بنعمة الله عليهم في اختياره الدين لهم:
«يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ» .
فهو من اختيار الله. فلا اختيار لهم بعده ولا اتجاه. وأقل ما توجبه رعاية الله لهم، وفضل الله عليهم، هو الشكر على نعمة اختياره واصطفائه، والحرص على ما اختاره لهم، والاجتهاد في ألا يتركوا هذه الأرض إلا وهذه الأمانة محفوظة فيهم:
«فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» .
(1) صفوة التفاسير (1/ 85)