إنه طلب القبول. هذه هي الغاية. فهو عمل خالص لله. الاتجاه به في قنوت وخشوع إلى الله. والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضى والقبول. والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع للدعاء. عليم بما وراءه من النية والشعور.). [1]
وفي مباحث اللغة البلاغة يقابلنا قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} وهو حكايةٌ عن حالٍ ماضيةٍ، جاءت بالفعل المضارع للدلالة على استحضار حال هذا النبي العظيم في إخلاصه وطاعته ودعواته.
وقيل: المراد برفع قواعده رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه، ودعاء الناس إلى حجه. وفي إبهام القواعد وتبيينها في قوله تعالى {من البيت} تفخيمٌ لشأنها.
قال البيضاوي: وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى. [2]
قال ابن عرفة ما حاصله: في قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكِّيهِمْ ... }
هذا جاء على الأصل في تقديم العلم أولا ثم (العمل) به لأن العلم شرط في العمل، ولذلك قيل: كل شيء يمكن حصوله للولي الجاهل إلا العلم، لأن العلم لا يحصل له إلا بالتعلم ... قال: وقدم هنا التعليم على التزكية، وأما في سورة آل عمران فعكس الأمر { ... وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} الآية [آل عمران: 164]
وكان الشيخ محمد بن عبد السلام يقول: إنه بحسب المجالس فحيث تقدم التعليم تكون تلك الآية نزلت عليه بمحضر الخواص ومَن هو أهل للتعليم، فيكون التعليم أَهَمّ، وحيث تقدم التزكية تكون الآية نزلت عليه في موضع أكثره عوام، فتكون التزكية في حقهم أهمّ.
وفي قوله قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} عدل عن قوله: الغفور الرحيم لأن العزيز هو الذي ينفذ مراده ولا ينفّذ فيه مراد أحد والحكيم هو الذي تضمنه قوله تعالى: {الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} وقوله {وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} . [3]
(1) في ظلال القرآن (1/ 115)
(2) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 106)
(3) تفسير ابن عرفة (1/ 419) بتصرف.