فهرس الكتاب

الصفحة 595 من 604

إن أبا الأنبياء -عليه السلام -وابنه يدعون بدوام نعمة الإسلام لله، واستكمالها على الوجه اللائق بها، فالإسلام الكامل هو تام الاستسلام لأمر الله وخبره، ولا يكون بغير توفيقٍ من الله تعالى، كما قال تعالى على لسان أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] ، فالهدى من الله وحده، وهكذا دأب أهل كمال التوحيد.

وهذا ابراهيم عليه الصلاة والسلام-كأنه بإسلامه أمةً وحده-يبتهل إلى الله بأن يجعل من أمته أمةً مسلمةً ترفع شعار الإيمان الحق على أكتافها، وأن يريهم عباداتهم وشرعهم ومنهجهم في دين الله واضحا كاملا، وأن يوفِّق مَن زلَّ منهم إلى الرجوع والتوبة فهو سبحانه التوَّاب (كثير التوبة) الرحيم بعباده المؤمنين.

ثم يدعو عليه السلام ربه بأن يبعث في أمته رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم المنهج والعمل به ويطهرهم من أوحال الشرك وآفات الأخلاق فإنه سبحانه العزيز الذي لا يغلبه على أمره شئٌ وهو الحكيم يضع كل شيءٍ موضعه.

وقد كان استجابة الله تعالى لدعوة الخليل في بعثة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، فعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الْفَزَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(إِنِّي ـ عِنْدَ اللَّهِ ـ مَكْتُوبٌ بِخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وبِشارة عِيسَى ورُؤيا أُمِّيَ الَّتِي رَأَتْ ـ حِينَ وَضَعَتْنِي ـ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشام) . رواه ابن حبان وأحمد وغيرهما وقال فيه الألباني: صحيح لغيره ـ (الصحيحة 1546 و 1925) .

دعواتٌ صالحاتٌ كريماتٌ من نبي الله إبراهيم عليه السلام عند بنائه بيت الله تعالى من أجل بناء الأمة المؤمنة القانتة لله تعالى، فتأمل ما بين البنائين من تناسقٍ وتناسب.

(فنغمة الدعاء، وموسيقى الدعاء، وجو الدعاء. كلها حاضرة كأنها تقع اللحظة حية شاخصة متحركة.

وتلك إحدى خصائص التعبير القرآني الجميل. رد المشهد الغائب الذاهب، حاضرًا يسمع ويرى، ويتحرك ويشخص، وتفيض منه الحياة. إنها خصيصة «التصوير الفني» بمعناه الصادق، اللائق بالكتاب الخالد.

وماذا في ثنايا الدعاء؟ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود.

وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء:

«رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت