لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) (البقرة: 108 - 112)
في هذه الآيات تتدفق اللغة القرآنية في خطابها السامي لبناء الأمة المؤمنة الناشئة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي تمثل النموذج الأسمى للأمة الخاتمة الحاملةِ لراية منهج الإسلام إلى آخر الزمان. هذا البناء الإيماني العميق الأساسات والمتين الأعمدة لوحظ فيه تلافي أخطاء الأمم السابقة وتجنب منزلقاتهم بعيدا عن حدود المنهج الرباني، وهنا تبدأ الخطوط الرئيسية التي تمتد في عمق منهجية سورة البقرة تتضح شيئا فشيئا لتبزغ في أرقى تجلياتها في خضم هذه القواعد المنهجية في البناء على أسسٍ ربانية مفارقة بذلك انحرافات اليهود والنصارى عن (سواء الصراط) ومقتضى العقيدة والشريعة الربانية. إنه المنهج الرباني الذي تضع سورة البقرة في هذه الآيات وأمثالها خطوطه لبناء الأمة الربانية. وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن الجامعة لجميع ما تفصّل فيه؛ وهي سنام القرآن، وسنام الشيء أعلاه؛ ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض تبيّن تفاصيل البناء في سنامية معانيها وسيادة خطابها التي يشاكلها -ولكن في إجمالٍ-سنامية معاني الفاتحة قبلها.
لقد جاء الإسلام بعظمته الربانية في بناء الضمير الإيماني قبل مناقشة تفاصيل التشريع. مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشأ أساسات البناء الإيماني في نفوس أتباعه لأكثر من نصف عمر الدعوة ويعلمهم كيف يتعاملون مع المنهج الرباني بالتسليم والرضا بحكم وحكمة الرب الرحمن الرحيم. ثم كان الاجتماع في المدينة المنورة بأهل الكتاب، والذين استغلوا بكورية الإيمان في قلوب الرعيل الأول وحاولوا أن يمسخوهم مثلهم في العناد والمجادلة والتملص من منهج الله تعالى. وهنا بدأ التدخل الرباني ليعطي الدرس للمؤمنين ساعتها؛ وللأجيال القادمة إلى يوم القيامة والتي ستقابل حملات التشكيك والإماهة والتذويب للهوية والطعن في المنهج الرباني.
ذكروا في اتصال هذه الآية ما حاصله: أن الشبهات التي ألقاها اليهود في حربهم المستمرة على دين الله الحق ربما تكون قد خلقت في نفوس المؤمنين بعض التساؤلات والتي بدورها تؤدي إلى الجدالات والتحايلات التي ملأت علاقة اليهود مع أنبيائهم ومع نبى الله موسى عليه السلام خصوصا. وعلى كلٍ؛ فالخطاب -على