الأرجح-للمؤمنين من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وفيه نهى عن اتباع سبيل المجرمين، واعتراضهم المستمر على منهج الله تعالى والتحايل والتحجج للتملص من تكاليفه بعقولهم الفاسدة وأهوائهم الماجنة.
فإنه (لما بيَّن لهم سبحانه أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله:(أَلَمْ تَعْلَمْ) أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالا عليهم كقولهم - لعنهم الله: {اجعل لنا إلها} ، و {أرنا اللَّه جهرة} ، وغير ذلك). [1]
وقد ذكر العلماء في سبب نزول الآية كلام لا يتصل أكثره بسند صحيح، وكذا ذكروا في المخاطَب بها. والحق أن سياق الآية واضح لا يحتاج لذلك؛ وخصوصا بعد بيان اتصالها بقضيةٍ خطيرة في العقيدة وهي تعامل المؤمنين مع النبوة ومع الوحي بعمومه، فتأمل. [2]
{أمْ} تأتي في اللغة إما متصلة بما قبلها بمعنى أو وتكون في استفهام ويقصد بها إرادة التعيين بين متماثلين أو التسوية بينهما. كما في قوله تعالى: {أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} (الأنبياء 109) أي أجيبوا! وللتسوية كما في قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} : أي جزعنا وصبرنا سواء. هذه المتصلة. وأما المنقطعة فهى التي لا علاقة لها بما بعدها وتكون بمعنى (بل) مثل قوله تعالى: {قل هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ والنُّورُ} (الرعد 16) . [3]
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 176) .
(2) وراجع مشكورا ما جاء في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/ 99) في سبب نزول الآية والمخاطب بها.
(3) حرف (أم) يأتي في اللغة على ثلاثة أوجه:
1 -... إما أن تكون متصلة (تعطي معنى العطف أو النسق) لارْتِبَاطِ مَا قَبْلَهَا بِمَا بَعْدَهَا فِي الْمَعْنَى وَهِيَ تأتي تارةً ل (ِطَلَبِ التَّعْيينِ) وهذا النوع يتطلَّب جوابًا بذكر أحد المعادلين وليس التخيير:- أتعرف الجواب أم لا؟ - أأنت المدرسُ أم أخوك؟ وتَكُونُ مَسْبُوقَةً بِهَمْزَةِ الاسْتِفْهَامِ أوْ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ، كما في قوله تعالى: {أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} (الأنبياء 109) ،
2 -... وتأتي بمعنى العطف متصلة أيضا للِتَّسْوِيَةِ بين أمرين إذا سبقت بهمزة التسوية وبكلمة سواء أو ما شابهها، ووقعت بين جملتين يصحّ حلول المصدر محلّهما، وهذا النوع لا يتطلّب جوابًا: -سواء عندي أحضرت أم لم تحضر: أي حضورك وعدمه سواء، - {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} : أي جزعنا وصبرنا سواء. و {إن الذين كفروا سَوَاءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} (البقرة 6) .
3 -... وتأتي منقطعة إذا تمَّ الكلام قبلها، لِوُقُوعِهَا بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ. وهنا تأتي بمعنى بل، مثل قوله تعالى: {قل هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ والنُّورُ} (الرعد 16) . وحرف (بل) يفيد الإضراب؛ أي: العدول عن الكلام السابق والالتفات إلى ما بعده.