فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 604

وقد ذكر العلماء في معناه في هذه الآية الوجهين: اتصالها بما قبلها وانقطاعها في كلام مستأنفٍ جديد ولكل وجهته ووجهه ومحل خلافهم (أعاريب القرآن) [1] . فقيل هو معطوف على قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وتقديره: ألم تعلموا ذلك أم لم تعلموا فتريدون أن تسئلوا رسولكم ... ، وقيل هو لاستئناف الاستفهام المفسَّر بها. قال الزجاج: والمعنى"بل أتريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئِل موسى من قبل"، فمعناه أنهم نُهوا أن يسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم -ما لا خير لهم في السؤال عنه وما يُكَفِّرهم، وإِنما خوطبوا بهذا بعد وضوح البراهين لهم وإقامتها على مخالفتهم. فأُعْلِم المسلمون أن السؤال بعد قيام البراهين كفر. انتهى

والعتاب هنا للمؤمنين على خواطرٍ خطرت بنفوسهم. بدليل أنه علق الاستنكار على الإرادة لا على صدور السؤال منهم فقال سبحانه {أم تريدون أن تسألوا} ولم يأتِ (أم تسألون) ، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - خاصةً- وأتباعه المؤمنون عامةً أقرب عند الله تعالى وأكرم من أن يدعهم يقعون في كفر اليهود وتعنتهم، فأتاهم بما يحذرهم سوء الأدب مع الله قبل وقوعه. والحمد لله رب العالمين.

وهنا مبدأ تربوي هام للأمة المؤمنة في الأدب مع الله تعالى ومع النبوة والوحي: حيث نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وإنْ تسألوا عنها حين يُنَزَّل القرآن تُبْدَ لكم} (المائدة: 101) أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة. ولهذا جاء في الصحيح:"إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". وفي صحيح مسلم:"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"الحديث. وهكذا قال أنس بن

(1) وراجع - إن شئت-تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (2/ 492) ففيه تفصيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت