أقول: من هذا التحليل العميق للشخصية اليهودية ينطلق الحوار القرآني ليؤكد على بعد هام من أبعاد الدلالة القرآنية وهو البعد النفسي والذي يتبدى لمن يجيدون الغوص في تدبر معاني الكتاب العظيم.
فإن بناء الآيات المنطقي المتين الذي ينطلق إلى أبعد حد في تحليل الشخصية اليهودية بكل تعقيداتها ليكون وصفا دقيقًا لعملية الضلال والإضلال من شياطين الإنس، وعبرةً للمؤمنين وأمة محمد صلى الله عليه وسلم خصوصًا .. هذا البناء يتواصل في إطار حوارٍ متصاعدٍ مع أولئك المارقين الذين استكبروا عن الانصياع لكلمة الله وأمره باتباع محمد والرسل من قبله عليهم السلام، هذا الاستكبار والبحث عن جذوره تواجهه الآيات هنا مواجهةً مباشرةً وتقيم الحجة على بطلان أسسه لتهدم تلك النفسية المتطرفة من جذورها.
يقول الفخر الرازي ما ملخصه: إن الله تعالى احتج على فساد قولهم بقوله:
{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصةً عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال، ومن كان في النعم القليلة المنغصة، وتيقن أنه بعد الموت له وحده تلك النعم العظيمة؛ فإنه لا بد وأن يكون راغبا في الموت لينتقل من القليل المنغص إلى النعيم المخبوء له وحده. ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبدا، وحينئذ يلزم قطعا بطلان ادعائهم.
أما قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة} فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة. فهذا مخصوص بدلالة السياق، وبالدلالة الحالية التي يدل عليها حالهم ومقالهم.