فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 604

وهو تذييلٌ فيه رائحة التهديد لأولئك الذين يتملصون من تكاليف الله تعالى بالتلاعب في شريعته واتهامها، سواء كانوا من اليهود أو من أشباههم.

والتذييل أسلوب بلاغي تجده في القرآن كثيرا وهو في البلاغة أن يؤتَى بعد الجملة الأولى بجملة أخرى تشتمل على معناها إما:

للتأكيد، وهو إما تأكيد المنطوق، نحو {وقُل جاءَ الْحَقُّ وزهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقًا} (سورة الإسراء 81) ، وإما تأكيد المفهوم نحو:

ولست بمستبْقٍ أخا لا تلمه - على شعثٍ. أيُّ الرجال المهذب؟

فقد دلت الجملة الأولى بعدم وجود الرجل الكامل فأكدها بالجملة الثانية"أي الرجال المهذب؟"

أو تأتي للتذييل نفسه، وهو إما يستقل بمعناه لجريانه مجرى المثل، نحو:

كلكم أروغ من ثعلب - ما أشبه الليلة بالبارحة.

أو لا يستقل، لعدم جريانه مجرى المثل، نحو:

لم يبقِ جودك لي شيئًا أؤمله - تركتني أصحب الدنيا بلا أملِ.

ولعل ما يهيج التأمل في هذه الآية هي أسلوب القرآن في الانتقال من مناقشة القضايا الجزئية (كتعامل اليهود والمنافقين مع الرسول باللؤم، وكالنسخ وغيره) إلى تقرير الأصول العامة التي ينبني عليها حقائق عقدية كبرى في الإسلام. وكأنها القيم العليا في تعليق ختامي على نقاش وجدال تأملي طويل تمتعنا به الآيات الكريمة. [1]

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ

(1) وإن شئت أن تفهم هذا فتأمل كيف بدأت سورة مريم بقصة نبي الله زكريا، ثم يحيى عليهما السلام، ثم قصة نبى الله عيسى عليه السلام بكثير تفاصيل، ثم جاء التعليق الختامي في صورة حكم إلهى في قضيةٍ تم تناولها بمستوى لغوي موسيقي (ينتهي بالياء المشددة الممدودة الرخية"صبيا، نبيا، حيا، شقيا ... وهكذا) يتغير هذا الجرس الموسيقي في فواصل الآيات تماما عند النطق بالحكم الإلهي النهائي الذي تعلوه هيبة الثبات التي تتقرر بها كليات العقيدة حيث تطول الفاصلة، وتنتهي القافية بحرف الميم أو النون المستقر الساكن عند الوقف لا بالياء الممدودة الرخية. {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (مريم: 34، 35) . (أفاده صاحب الظلال رحمه الله تعالى) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت