فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 604

وهنا نكتة بديعة أيضا في العدول عن ضمير المتكلم المعظَّم سبحانه في قوله {ما ننسخ} إلى ضمير المخاطَب في {ألم تعلم} وبان وجهها، ثم ترك الضمير والإتيان بِاسم"الله"في {أن الله له ملك السموات والأرض} ويجيبنا أبو حيان فيقول: إِذْ هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الْجَامِعُ لِسَائِرِ الصِّفَاتِ، فَفِي ضِمْنِهِ صِفَةُ الْقُدْرَةِ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي نِسْبَةِ الْقُدْرَةِ إِلَيْهِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظِّمِ، فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّنَا) إِلَى قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ} الذي فيه من الفخامة والعظمة ما فيه. قال أبو حيان: وَخَصَّ السموات وَالْأَرْضَ بِالْمُلْكِ، لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَمَلَا عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَإِذَا كَانَ اسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الطَّرَفَيْنِ، كَانَ مُسْتَوْلِيًا عَلَى مَا اشْتَمَلَا عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ الْعُلْوِيَّةِ بِالسَّمَاوَاتِ، وَالسُّفْلِيَّةِ بِالْأَرْضِ. فتأمل دقة القرآن.

وهنا أيضا يعاودنا الحديث عن مستويات الخطاب القرآني: فالخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا وتقريرا، ولأمته ثانيا تأكيدا وتذكيرا، ولليهود ردا وتبكيتا، وللمنافقين تفنيدا لحيلهم وتكذيبا، بل هو خطابٌ موجَّه لكل مَن يقرأ القرآن فكأنما يعنيه بذاته. وهكذا ينبغي أن نتأمل (مستويات الخطاب القرآني) وأفقه الدلالية المترامية الظليلة.

وقد ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية وتذييل الآية قبلها بين وصفين: القدرة والاستيلاء. فقال سبحانه {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (البقرة: 106، 107) لأن المرء قد يكون قادرا بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ اسْتِطَاعَةً عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِيلَاءٌ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُنَفِّذَ فِيهِ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ. فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الِاسْتِطَاعَةُ والملك وَعَدَمُ وجود المانع كَمُلَ بِذَلِكَ التَّصَرُّفُ مَعَ الْإِرَادَةِ. [1]

وفي تذييل الآية قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ} انتقل الخطاب هنا إلى صيغة الجمع من أجل تربية الجماعة المؤمنة وكذلك تربية المخاطبين بالقرآن فردا فردا {مِنْ دُون اللَّه} أَيْ غَيْره سبحانه {مِنْ} أدنى ما يُقال له {وَلِيّ} يَحْفَظكُمْ أو يظاهركم {وَلَا نَصِير} يَمْنَع عَنْكُمْ عَذَابه إنْ أَتَاكُمْ إنْ أنتم لم تؤمنوا بقدرته وملكه وعدله وتتركوا الاعتراض على حكمه وقضائه. وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَتَانِ الْأُولَيَانِ استفهامٌ لِتقْرِيرِ قدرته وملكه سبحانه، نَاسَبَ ذلك أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ نَفْيًا لِلْوَلِيِّ وَالنَّاصِرِ، أَيْ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي هِيَ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ وَاسْتِيلَائِهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَحْجِزُهُ عَمَّا يُرِيدُ بِهَا شَيْءٌ، وَلَا مُغَالِبَ لَهُ تَعَالَى فِيمَا يُرِيدُ (أفاده أبو حيان) .

(1) راجع البحر المحيط في التفسير لأبي حيان (1/ 553)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت