فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 604

سورة البقرة هي أطول سور القرآن كلها، ولقد تضمّنت هذه السورة - بسبب طولها - مقاطع كثيرة فيها قواعد كلية وفروع تفصيلية لابدّ من الإشارة إليها إجمالًا قبل الخوض في شرح مفرداتها وتفسير معانيها.

وإن أعجب ما في هذه السورة أنها - رغم طولها وإسهابها وتنوّع أغراضها - تدور حول محور أساسي يكاد يكون ثابتًا: وهو هدى القرآن تتبايَنُ إزاءه مواقفُ الناس، من متّقين مفلحين، وكَفَرةٍ خاسرين، ومنافقين مُفْسِدين. وعلى رسم هذه المواقف وتحليل سماتها، انطوى من أول السورة مقطع غير قليل.

الحقيقة أن المحور الرئيس الذي التفت حوله هذه السورة الكريمة هو بيان ذلك (الصراط المستقيم) ورسم قسمات عملية واقعية واضحه له على مدى تنقلاتها الكثيرة وأحكامها المفصلة العميقة ..

ومن ثم تتعرض السورة لبيان مواقف الناس من هذا الصراط فتوضح صفات الذين هداهم الله هذا الصراط المستقيم .. وتنتقل بعده لتفضح صفات الضالين عن هذا الصراط .. والمنتكسين على أعقابهم بعد هدايتهم .. وبذلك تفي الآيات بوعدها في بيان طريق الهداية والتحذير من طريق المغضوب عليهم والضالين ..

هؤلاء الذين كان القرآن لهم هدى هم المتقون الذين يخافون ربهم ويتقونه بامتثال أمره واجتناب نهيه .. وكان فيهم ما به يقوم الصراط المستقيم من الأعمال القلبية والبدنية والمالية؛ فهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك ... إلى قوله:"هم المفلحون" (5) الآيات) .. وهم على عكس تلك الفئة الهالكة الذين كفروا فلا ينفع فيهم إنذار لأنهم ختم الله على قلوبهم فلا تصلهم هداية بكفرهم وعنادهم .. أما هؤلاء الذين لم يصدقوا في إخلاصهم في اتباع الصراط المستقيم هؤلاء الدعين المنافقين الذين يقولون { .. آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) } [البقرة: 8، 9] .. فضح الله حالهم بما يحذر من شكهم وحيرتهم ونفاقهم .. وإنما أطال السياق في ذكر المنافقين لأنهم أخطر وأشد تشكيكا للمؤمنين في صراطهم المستقيم الذي يطلبونه ..

أعقب ذلك ببيان غاية وهاية هذا الصراط وهو التوحيد الذي خلق الله لأجله العالمين، فاستدل ببديع المخلوق على توحيد الخالق .. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) } [البقرة: 22] ..

ثم أعقب بابتداء الخلق وقصة بدء الخليقة وصراع آدم وإبليس اللعين .. صراعا يبين أن من أشد المعوقات في طريق اهتدائنا للصراط والسير فيه هو الشيطان اللعين: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت