وَأَجَابَ: بِأَنَّ التَّسْبِيحَ حَيْثُ جَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّحْمِيدِ نَحْوَ: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} {سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ} جاءت سورة الاسراء المُفتتَحة بالتسبيح مُقدَّمة في الترتيب على الكهف المفتتحة بالتحميد .. وَأَجَابَ ابْنُ الزَّمَلْكَانِيِّ: بِأَنَّ"سُورَةَ الاسراء"لَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْإِسْرَاءِ الَّذِي كَذَّبَ الْمُشْرِكُونَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَكْذِيبُهُ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَتَى"بِسُبْحَانَ الذي أسرى بعبده"؛ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا نُسِبَ إِلَى نَبِيِّهِ مِنَ الْكَذِبِ ..
وَسُورَةُ الْكَهْفِ لَمَّا أُنْزِلَتْ بَعْدَ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَتَأَخُّرِ الْوَحْيِ؛ نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْطَعْ نِعْمَتَهُ عَنْ نَبِيِّهِ وَلَا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ أَتَمَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ فَنَاسَبَ افْتِتَاحَهَا بِالْحَمْدِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ.
قلتُ: وهذا من بديع التدبر لكتاب الله تعالى ...
فِي العجائب الكرماني: إِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَاءَ"يَسْأَلُونَكَ"أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِغَيْرِ وَاوٍ {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ} {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ} .. ثُمَّ جَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِالْوَاوِ: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} .. قُلْنَا لِأَنَّ سُؤَالَهُمْ عَنِ الْحَوَادِثِ الْأُوَلِ وَقَعَ مُتَفَرِّقًا وَعَنْ الْحَوَادِثِ الْأُخَرِ وَقَعَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فجئ بِحِرَفِ الْجَمْعِ دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ ..
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَاءَ {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ} وعادة القرآن مجئ"قُلْ"فِي الْجَوَابِ بِلَا فَاءٍ؟ أجاب الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ:"لَوْ سُئِلَتْ عَنْهَا فَقُلْ"..
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ جَاءَ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} وعادة السؤال يجئ جَوَابُهُ فِي الْقُرْآنِ"بِقُلْ"؟ قُلْنَا: حُذِفَتْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ في حالة الدُّعَاءِ فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ سبحانه ... انتهى [1]
انتهى كلام العلامة السيوطي من كتابه الرائع الاتقان وقد اختصرته، وشرحته، وحذفت ما رأيت فيه التكلف، وزدت عليه لتسهيل مادته العلمية ونشرها .. ولعل هذا المبحث طال ولكن لأهميته في سورة البقرة الطويلة المتشعبة المختلفة الموضوعات المتفننة في التنقلات بين المواضيع والأساليب والأحكام ومناحي الخطاب ... ولقد منَّ الله سبحانه علينا بمادةٍ جيدةٍ فيه دهشت كثيرًا من روعتها، ولعل باحثين ومؤلفين آخرين يمن الله عليهم فيزدادوا بحثا عن أسرار هذه العلوم الشريفة في القرآن ليبينوا للناس أوجهًا من عظمة هذا القرآن المجيد ...
(1) راجع الإتقان في علوم القرآن (3/ 371 - 389) بتصرف كثير وتلخيص.