فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 604

بقدسيتها وإضافة بيتها العتيق إليه سبحانه، فما من ناظرٍ ينظر إلى بيت الله وملايين الناس تفد إليه كل عام، وآلاف منهم يطوفونه كل يوم، ويتأمل موقعه من الصحراء إلا ويعلم يقينا دلالة هذه الآيات.

وفاتنا أن نذكر أن الأمن المذكور في قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} هو (الأمن الاجتماعي) ، وقد فعل الله ذلك شرعا وقدرا. كقوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] وقوله {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] إلى غير ذلك من الآيات. قد روى أبو شريح الكعبي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن فيها دم، وإن الله تعالى حلها لي ساعة ولم يحلها للناس» (متفق عليه)

وفي القراءة العميقة للآيات نستشعر لطف التعريض بأهل مكة وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ووفاء نعمة الإسلام ودولته وأن نقض العهد مع الله هو من أهم أسباب هلاك الأمم، ولكن هذا التعريض يزيد قوةً في سورة القصص المكية- والشيء بالشيء يُذكر- في قوله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 57 - 59]

قال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) }

هذا هو نبي الله إبراهيم يمتثل الأمر الرباني ببناء قبلة الدين في الأرض؛ بيت الله العتيق؛ يرفعه على تقوى الله تعالى والبراءة من الشرك لكي يقتدي به كل أبنائه وورثته في تطهير هذا البيت من دنس الشرك. يرفع إبراهيم وإسماعيل أساسات البيت ويدعون ربهم بالإخلاص والقبول، ليكونوا نبراسا لكل مؤمنٍ عاملٍ إلى يوم القيامة يقولون ربنا إنك تعلم ما نُسِرُّ وما نعلن، فالسر يقابله اسمه العليم، والعلن يقابله اسمه السميع سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت