فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 604

ثم يبتدأ فصل جديد في قصة آدم - عليه السلام - أو لنقل قصة البشرية بأسرها منذ ابتدائها وإلى مصيرها النهائي .. وذلك الصراع الطويل المرير بين الخير والشر .. بين (آدم) وذريته، و (إبليس) وذريته .. فهل سيثبت الإنسان جدارته بالتكريم الإلهي، أم سيصدق إبليس؛ ذلك الشيطان اللعين ظنه على بني آدم، ويثبت أنهم ما كانوا أهلًا للتكريم .. إنها قصة الاستكبار والغرور .. قصة الخطأ والتوبة .. قصة الضعف الإنساني أمام الشهوات، وقوته بإنابته لربه سبحانه ...

{وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا} ..

إنه التكريم في أعلى صوره، لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكن الله وهبه من الأسرار ما يرفعه على الملائكة في صورة من الصور. لقد وُهب سر المعرفة، كما وُهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق .. إن ازدواج طبيعته التي فيها الإفساد وفيها المعرفة وتكريم الرب سبحانه، وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله وعمارة الكون بمنهج الله تعالى .. إن هذا كله هو بعض أسرار تكريمه.

ويبقى المعنى الأرقى في تكريم آدم حين أمر الله الملائكة بالسجود لعظمة الله تعالى وبديع صنعته والمعاني التي أودعها فيه .. فلم يكن السجود لشخص آدم، والسجود ههنا معنى من معاني التكريم وليس سجود العبادة المعهود ..

ولقد سجد الملائكة امتثالًا للأمر العلوي الجليل، وإكرامًا لصنعة الله في آدم - عليه السلام - وهذا المبدأ الراقي الذي يبين نظرة الإسلام للإنسانية يرسمه القرآن العظيم حين يعلنها صريحةً {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32) [1] ، فالحقيقة أن إزهاق النفس البشرية بغير حقٍ هو في الإسلام جريمةً يفسرها الإسلام على أنها إهانةً للرب العلى في نقض صنعته بغير حق، وإمتهان ما كرّمه سبحانه، وعلى النقيض فإن تكريم هذه النفس البشرية هو تكريم لصنعة الله سبحانه .. ولذلك كان القتل من أعظم الذنوب في الإسلام .. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم:"أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن

(1) قال فيها البغوي في تفسيره: من قتل نفسا بغير نفس: أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص، أو فساد في الأرض: أو بغير فساد فيها كالشرك أو قطع الطريق، فكأنما قتل الناس جميعا من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل، وجرأ الناس عليه، أو من حيث إن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله سبحانه وتعالى والعذاب العظيم، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا: أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعا، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب، ترهيبا عن التعرض لها، وترغيبا في المحاماة عليها. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت