والشر، والنجاة والهلاك، والفوز والخسران في حياة البشرية، انتقل الحديث من تذكير البشرية بنعم ربها وهداياته إلى مثالٍ أكثر خصوصيةً وأغنى تجربةً في التعامل مع منهاج السماء للأخذ بيدي البشرية الحائرة. إنهم بنو إسرائيل وعنادهم، ومحاربتهم لمنهج السماء برعونتهم، وخرقهم المستمر لعهودهم مع الله تعالى. إنهم النموذج التعليمي الدقيق لبناء الأمة الجديدة على أسس صحيحة من الالتزام بوعد الله تعالى وانتظار موعوده. ومن هنا يبدأ الغرض الأسمى في بناء شخصية الأمة المحمدية على تلقي المنهج والعمل به، وتوقي وتلافي المخالفات الشنيعة التي وقع فيها بنو إسرائيل.
قرأ جمهور الناس «راعنا» من المراعاة بمعنى أرعنا سمعك ونظرك، وفي أن يخاطب بذلك أحدٌ نبيه جفاءٌ ظاهر، وقد حضَّ الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، وكما قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} (النور: 63) . فقال مَن ذهب إلى هذا المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على هذا التأويل، بل هو نهيٌ عن كل مخاطبةٍ فيها استواءٌ مع النبي صلى الله عليه وسلم. [1]
أقول: وفي كون ذلك المقصود دون غيره نظر. ويتعين في مثل هذه الآية [2] طلبُ سبب نزولها ليظهر موقعها ووجه معناها، فإن النهي عن أن يقول المؤمنون كلمةً لا ذم فيها ولا سخف لا بد أن يكون لسبب، وقد ذكروا في سبب نزولها أن المسلمين كانوا إذا ألقى عليهم النبيء صلى الله عليه وسلم الشريعة والقرآن يتطلبون منه الإعادة والتأني في إلقائه حتى يفهموه ويعوه فكانوا يقولون له (راعنا يا رسول الله) أي لا تتحرج منا وارفق. وكان المنافقون من اليهود يشتمون النبي صلى الله عليه وسلم في خلواتهم سرا، فتلقفها اليهود كعادتهم يلوون بها ألسنتهم ليؤذوا بها الرسول، فمنع المسلمون عنها وأُبدلوا كلمةً لا مطعن فيها وهي (انظرنا) بدلا من (راعنا) سدا للذريعة.
والسياق يؤيد ذلك بخاتمة الآية الكريمة {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والمقصود بها اليهود، والله أعلم. وكذلك يؤيده قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ
(1) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 189) بتصرف.
(2) أي مثلها من الآيات التي نزلت في أحوال معينة ولم يشرح في أثنائها ما يفصح عن سبب نزولها إيجازا واستغناء بعلم المخاطبين بها يوم نزولها بالسبب الذي أوجب نزولها، فإذا لم ينقل السبب لمن لم يحضره لم يعلم المراد منها.