فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 604

وأيضا فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات. انتهى [1]

وأقول: إن الحديث إذ كان عن تمايزٍ وضع حده القرآن بين أهل الكفر والنفاق وسبيلهم، وبين سبيل المؤمنين كان نداء التكريم الرباني الراقي لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم ب {يا أيها الذين آمنوا} ، وذلك أننا مخاطبون بأن نتبع سبيل المهتدين، ونجتنب سبيل الضالين المفسدين، وهذه الخطاب لا يسمعه ويستجيب له إلا المؤمنون.

وفي تفسير ابن أبي حاتم أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال: أعهد إلى فقال: إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُهُ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ.

قال العلامة أبو حيان الأندلسي (م 745 ه) :

هَذَا أَوَّلُ خِطَابٍ خُوطِبَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، بِالنِّدَاءِ الدَّالِّ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ نِدَاءٍ جَاءَ أَتَى عامّا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} ، وَثَانِيَ نِدَاءٍ أَتَى خاصا: {يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نعمتي ... } ، وَهِيَ الطَّائِفَةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى الْمِلَّتَيْنِ: الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَثَالِثَ نِدَاءٍ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَكَانَ أَوَّلُ نِدَاءٍ عَامًّا، أُمِرُوا فِيهِ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ. وَثَانِيَ نِدَاءٍ، ذُكِّرُوا فِيهِ بِالنِّعَمِ الْجَزِيلَةِ، وَتُعُبِّدُوا بِالتَّكَالِيفِ الْجَلِيلَةِ، وَخُوِّفُوا مِنْ حُلُولِ النِّقَمِ الْوَبِيلَةِ.

وَثَالِثَ نِدَاءٍ: عُلِّمُوا فِيهِ أَدَبًا مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ مَعَ نَبِيِّهِمْ، إِذْ قَدْ حَصَلَتْ لَهُمْ عِبَادَةُ اللَّهِ، وَالتَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ، وَالتَّخْوِيفُ مِنَ النِّقَمِ، وَالِاتِّعَاظُ بِمَنْ سَبَقَ مِنَ الْأُمَمِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا أُمِرُوا بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّكْمِيلِ، مِنْ تَعْظِيمِ مَنْ كَانَتْ هِدَايَتُهُمْ عَلَى يَدَيْهِ. انتهى [2]

أقول: نجد هنا تدرج الخطاب وتسلسله المنطقي من بدء سورة البقرة إلى هذا الموضع. فبعد الحديث الجميل الذي بدأ عن هدايات القرآن وأصناف الناس في تلقيها، ثم قصة البداية التي يجئ معها الصراع الأبدي بين الخير

(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 634)

(2) البحر المحيط في التفسير (1/ 542) دار الفكر - بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت