(عقيدة المؤمن هي وطنه , وهي قومه , وهي أهله .. ومن ثَم يتجمع البشر عليها وحدها , لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلإٍ ومرعى وقطيع وسياج.
والمؤمن ذو نسب عريق , ضارب في شعاب الزمان , إنه واحد من ذلك الموكب الكريم , الذي يقود خطا ذلك الرهط الكريم: نوح , وإبراهيم , وإسماعيل , وإسحاق , ويعقوب , ويوسف , وموسى , وعيسى , ومحمد عليهم الصلاة والسلام .... ) [1]
{ولقد عَلِمْتُمُ} معناه: عَرَفْتُمْ، واستعمال العلم الذي هو معرفة الشئ بحقيقته هنا هو للدلالة على كمال تصورهم لما جرى في هذه القصة، ويؤيده التأكيد ب (اللام وقد) . و {اعْتَدَوْا} معناه تجاوزوا الحد، و {فِي السَّبْتِ} معناه في يوم السبت، ويحتمل أن يريد في حكم السبت (أي ما حرمه الله عليهم من الصيد والعمل يوم السبت) .
وقصة اعتدائهم فيه، أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة، وعرفه فضله، كما أمر به سائر الأنبياء، فذكر موسى عليه السلام ذلك لبني إسرائيل عن الله تعالى وأمرهم بالتعبد فيه، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت، فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية.
وكان أمر بني إسرائيل ببلدة على البحر، فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقوا على ذلك زمانا حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتا بخزمة، وضرب له وتدا بالساحل، فلما ذهب السبت جاء وأخذه، فسمع قوم بفعله
(1) "في ظلال القرآن" (1/ 12) .