فهرس الكتاب
فصنعوا مثل ما صنع، وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيرا يخرج إليه البحر، فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير، فإذا رجع البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت، فجاء بعد السبت فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية، وباعوه في الأسواق، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من العقوبة، وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه، فقيل نجت مع الناهين، وقيل هلكت مع العاصين.
و {كُونُوا} لفظة أمر، وهو أمر التكوين، كقوله تعالى لكل شيء: {كُنْ فَيَكُونُ} النحل: 40، مريم: 35، يس: 82، غافر: 68).
و {خاسِئِينَ} معناه مبعدين أذلاء صاغرين، كما يقال للكلب وللمطرود اخسأ.
ورُوي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط وردّت أفهامهم كأفهام القردة، والأول أقوى، والضمير في «جعلناها» : يحتمل العود على المسخة والعقوبة، ويحتمل على الأمة التي مسخت، ويحتمل على القردة، ويحتمل على القرية إذ معنى الكلام يقتضيها، وقيل يعود على الحيتان، وفي هذا القول بُعد.
والنَّكال: الزجر بالعقاب، والنَّكَل والأنكال: قيود الحديد، فالنَّكال عقاب يَنْكَل (أي ينزجر) بسببه غير المعاقب عن أن يفعل مثل ذلك الفعل.
قال السدي: ما بين يدي المسخة: ما قبلها من ذنوب القوم، وَما خَلْفَها: لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب، وهذا قول جيد، وقال غيره: «ما بين يديها» أي من حضرها من الناجين، {وَما خَلْفَها} أي لمن يجيء بعدها.
{وَمَوْعِظَةً} داعية اتعاظٍ واعتبار، {لِلْمُتَّقِينَ} معناه للذين نهوا ونجوا، وقالت فرقة: معناه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، واللفظ يعم كل متقٍ من كل أمةٍ. انتهى [1]
(1) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 159) بتصرف واختصار.