فهرس الكتاب

الصفحة 559 من 604

واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (القمر: 50) . ونبه تعالى بذلك أيضا على أن خلق عيسى بكلمة: كن، فكان كما أمره الله، قال الله تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} (آل عمران: 59) . انتهى [1]

ثم اختلف العلماء في توجه الخطاب للمعدوم أن يوجد.

قال الأستاذ محمد عبده -رحمه الله: إن الأمر بكلمة (كن) هنا هو الأصل فيما يسمونه أمر التكوين، ويقابله أمر التكليف. فالأول متعلق صفة الإرادة لله سبحانه، والثاني متعلق صفة الكلام. وأمر التكليف يخاطب به العاقل المكلَّف، ولا يخاطب به غيره فضلا عن المعدوم، وأمر التكوين يتوجه إلى المعدوم كما يتوجه إلى الموجود؛ إذ المراد به جعله موجودا، وإنما يوجه إليه؛ لأنه معلوم لله تعالى، فالله يعلم الشيء قبل وجوده، وأنه سيوجد في وقت كذا. فتتعلق إرادته بوجوده على حسب ما في علمه فيوجد. وشيخ الإسلام ابن تيمية يسميه الأمر القدري الكوني، ويسمي مقابله (أمر التكليف) الأمر الشرعي.

ذلك شأنه -تعالى -في الإيجاد والتكوين، وهو أغمض أسرار الألوهية، فمن عرف حقيقته فقد عرف حقيقة المبدع سبحانه، وذلك ما لا مطمع فيه. وقد عبر عن هذا السر بهذا التعبير الذي يقرِّبه من الفهم ولا يتشعب فيه الوهم، ولا يوجد في الكلام تعبير آخر أليق به من هذا التعبير: يقول للشيء: (كن فيكون) . انتهى [2]

أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا نعرف كنهها، بمراد الله تعالى في الوجود، فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه، لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه. وهي غير مهيأة لإدراكه لأنه لا يلزمها في وظيفتها التي خلقت لها وهي خلافة الأرض وعمارتها. وبقدر ما وهب الله للإنسان من القدرة على كشف قوانين الكون التي تفيده في مهمته، وسخر له الانتفاع بها، بقدر ما زوى عنه الأسرار الأخرى التي لا علاقة لها بخلافته الكبرى. ولقد ضربت الفلسفات في تيهٍ لا منارة فيه، وهي تحاول كشف هذه الأسرار وتفترض فروضًا تنبع من الإدراك البشري الذي لم يهيأ لهذا المجال، ولم يزود أصلًا بأدوات المعرفة فيه والارتياد. فتجيء هذه الفروض مضحكة في أرفع مستوياتها. مضحكة إلى حد يحير الإنسان: كيف يصدر هذا عن «فيلسوف» ! وما ذلك إلا لأن أصحاب هذه الفلسفات حاولوا أن يخرجوا بالإدراك البشري عن طبيعة خلقته، وأن يتجاوزوا به نطاقه المقدور له! فلم ينتهوا إلى شيء يطمأن إليه بل لم يصلوا إلى شيء يمكن أن يحترمه من يرى التصور الإسلامي ويعيش في ظله. وعصم الإسلام أهله المؤمنين بحقيقته أن يضربوا في هذا التيه بلا دليل، وأن يحاولوا

(1) فتح القدير للشوكاني (1/ 155) بتصرف.

(2) تفسير المنار (1/ 361) باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت