{بديع السماوات والأرض} أي مبدع السماوات والأرض ومنشأهما على غير مثال سبق، وكل منشئٍ ما لم يُسبق إليه فهو مبدع. ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة. كما جاء في الصحيح لمسلم:"فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". [1]
والإبداع في الحقيقة هو خلق شيءٍ من لا شيء، وأطلق مجازا على الإنشاء على غير مثالٍ سبق، والغاية هنا هو مزيد حجةٍ وبرهان يرد قول أهل الكذب والبهتان. وتقرير الحجة: إن الله سبحانه مبدع الأشياء كلها من لا شيء. فليس ببعيد على عظيم قدرته أن يوجِد أحدًا بلا أب، أو يُعلِّم بلا واسطة من البشر. وهذه هي طلاقة قدرة الله العظيم القدير. وهى كلية من كليات البناء العقدي للمؤمنين.
وخَصَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا، ففيهما عالم الملك والملكوت بكل ما فيه العجائب التي لا يستطيع العلم والعلماء إلى يوم القيامة فك جزءٍ يسير من أسرار خلقها، وفي ذلك إشارة إلى حجةٍ أخرى خفيةٍ يدركها من مارس العلوم وعرف عظمة الله في خلق السماوات والأرض كما قال تعالى {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (غافر: 57) .
وقوله تعالى: {إذا قضى أمرًا} معناه أراده كما قدَّره في علمه سبحانه، أو أحكمه وفرغ منه.
وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} . قال العز -رحمه الله: {كُن} هذا أمر للموجودات بالتحول من حال إلى أخرى كقوله -تعالى: - {كونوا قردة} ، وليس إنشاءً للمعدوم، أو ربما هو لإنشاء المعدوم، لأنه لما كانت في علم الله جاز أن يقول لها:"كن"لتحققها في علمه سبحانه، أو إنما عبَّر عن نفوذ قدرته- سبحانه- وإرادته في كل شيء بالقول - مجازا- ولا قول على الحقيقة، فالإرادة الربانية نافذة حتى دون القول. [2]
وَمِنْهُ قول الشاعر، وهو عمرو بْنُ حُمَمَةَ الدُّوسِيُّ:
فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَارَتْ فِرَاخُهُ ... إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَالُ لَهُ قَعِ.
وَقَالَ آخَرُ: قَالَتْ جَنَاحَاهُ لِسَاقَيْهِ الْحَقَا ... وَنَجِّيَا لحمكما أَنْ يُمَزَّقَا.
قال الشوكاني: وَالظَّاهِرُ فِي هَذَا هو الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَأَنَّهُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ هَذَا اللَّفْظَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَانَعٌ وَلَا جَاءَ مَا يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ} (يس: 82) ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40) ، وَقَالَ: وَما أَمْرُنا إِلَّا
(1) والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية (أي في مسمى الشرع) ، كقوله: فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وتارة تكون بدعة لغوية (أي في إطلاق اللغة بغير معناها في الشرع) ، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه. تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 398)
(2) تفسير العز بن عبد السلام (1/ 157) بتصرف.