فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 604

وترغيبًا للناس في اتّباع سبيل المتقين المهتدين، تتمهّل السورة في عرض نماذج من الوصايا الدينية، وصور من التكاليف الشرعية: فمن دعوة إلى التحلي بخصال العابدين، وانتظار البشارة بما وعد الله أولئك السعداء من النعيم المقيم، إلى افتراض الفرائض، وتحديد الأوامر، وإلقاء التبعات على عواتق المؤمنين.

ففي سورة البقرة نتلو آيات تحضّنا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وآيات أخرى تحرّم علينا الخمر والميسر، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا ومزاولة السحر، ومقاربة النساء في ظروف معينة، ونكاح المؤمنين المشركات وتزويج المشركين المؤمنات، وإثارة الفتن بتهديد الحرّيّات والإكراه في الدين، ومقاطع تتفاوت إطنابًا وإيجازًا توضح أحكام القتال والقصاص في القتلى، والوصيّة للوالدين والأقربين، معاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة، والنفقات والمستحقين لها من الناس، وقضايا الزوجية والطلاق والرضاعة والعدّة وخِطْبة المعتدّة ونفقتها ومتعة المطلّقة والإيلاء من النساء، وكتابة الدّيْن والإشهاد عليه، وأداء الرهان، ومسائل الأَيْمان والعفو عن يمين اللغو ... كل ذلك بأسلوب يجمع إلى دقة الفقه والتشريع أجملَ التوجيه وأحلاه، في قصة تُحْكَى أو واقعة تُرْوَى، أو موعظة مؤثّرة تمسّ شغاف القلوب.

ويعود في خلال ذلك كله ليذكر المؤمنين مرارًا ويحذرهم الذين انحرفوا عن الصراط {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا .. } [البقرة: 211، 212] .. وما ذلك إلا لأن الصراط المستقيم على وضوحه كثير العوائق صعب على غير المتقين المثابرين فيه والأعداء على جانبيه كثير تريد من المؤمنين الزلل كل لحظة .. {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) } [البقرة: 108 - 111] .. فلعل هذه الآية تلخص كثيرًا لماذا كثر ذكر المتنكبين عن الصراط من بني إسرائيل ...

ولكي يتمّ التناسق بين البدء والختام، انتهت السورة بمثل ما استُهِلّت به من عرض تحليلي لخصال المؤمنين المتقين الذين وُصفوا في المطلع بأنهم يؤمنون بما أنزل إلى محمد r وما أنزل من قبله، وبالآخرة هم يوقنون، ثم وُصفوا في الخاتمة بأنهم يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله، ولا يفرّقون بين أحد من رسله، ويقولون:"سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير". ويبتهلون إلى الله في دعاء ضارع مستغيث: أن يخفّف عنها التكاليف والآصار، ويكتب لها النصر على القوم الكافرين. وهكذا دارت السورة بدءًا ووسطًا وختامًا حول موضوع واحد منسجم متناغم، يصوّر بوجه عام مواقفَ الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت