فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 604

فمن ناحية الخطاب ودلالته ففيه التفاتٌ من ضمير الخطاب إلى الغيبة، وإبعادٌ لهم عن مقام الحضور، ونكتته أن ما جرى على المخاطَب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال، فيُشار إلى هذا الإبعاد بخطاب البعد .. و نظير هذا الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بعد إجراء صفات النقص قول الشاعر يذم من بخل في قضاءِ مهمٍ:

أبى لك كسْبُ الحمدِ رأيُ مقصرٍ ... ونفسٌ أضاق الله بالخير باعَها.

إذا هي حثَّتْهُ على الخير مرةً ... عصاها، وإنْ همَّت بشرٍّ أطاعها.

وقد حسن الالتفات هنا أيضًا أنه يؤذِن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية، وهو غرض جديد .. فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم وجَّه الخطاب إليهم، ولما أُريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم صار الخطاب جاريا مع المؤمنين وأُجرى على اليهود ضمير الغيبة. [1]

قال المفسرون في قوله تعالى: {وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ} قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قومٌ منهم الحسن وابن محيصن بضمها.

(والغُلْف(بسكون اللام) جمع أغلف، المراد به هنا: الذي عليه غشاوة تمنع من وصول الكلام إليه، ومنه غلفت السيف، أي جعلت له غلافا. قال في الكشاف: هو مستعار من الأغلف الذي لم يُختَن كقوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} (فصلت: 5) . وقيل: إن الغلُف (بضم اللام) جمع غلاف مثل حمار وحُمُر، أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك، وقد وعينا علما كثيرا. [2]

قال الراغب: فعلى الأول قيل معناه: معناه: قلوبنا مغطَّاةٌ عما تدعونا إليه فلا نفهمه. وعلى الثاني: قلوبنا أوعية للعلم لا تسمع علمًا إلا وعته إلا ما تقول، بمعنى أن ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم ليس بعلمٍ ...

(1) التحرير والتنوير (1/ 599) بتصرف يسير.

(2) تفسير فتح القدير للشوكاني (1/ 75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت