فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 604

ورد الله تعالى ذلك عليهم بأن ذلك لكونهم مبعَدِين عن العلم لسوء فعلهم، وقد تقدم أن سبب المانع من الفضيلة سببان: أحدهما: ابتداؤه ليس من جهة الإنسان نفسه، وهو معذور فيه كمرتكب قبيح لزوال عقله بجنونٍ أو مرض، والثاني: ابتداؤه من جهته، وهو مأخوذٌ به كمرتكب ذنبٍ لسكره. فبيَّن الله تعالى أن قلوبهم ممنوعة عن العلم بكفرهم وذلك من جهتهم، وقوله: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} أي لم يؤمنوا إلا إيمانا قليلًا أو زمانا قليلا، وذلك غير معتَدٍّ به، لأن الإيمان هو التصديق المخصوص، ومتى لم يحصل كمالًا لم يُعْتَدُّ به، ولذلك عظَّم سبحانه عقوبة ذلك بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} . انتهى [1]

والمعنى أن الله لعنهم وكان هذا اللعن سببا لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، وقلة الإيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإيمان به. وقد وصفهم الله- تعالى- فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.

أو يُقال أنهم يؤمنون زمنا قليلًا ثم ما يلبثون أن يعودوا لكفرهم، أو أن قليلا منهم الذين يؤمنون. ف (قليلا) هنا صفةٌ (نعت لمصدر محذوف) تعود على الزمان أو الأشخاص أو نفس الإيمان.

(وقال سبحانه في النساء: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) } إلى آخر القصة فأخبر بذنوبهم التي استحقوا بها ما استحقوه. ومنها قولهم: {قلوبنا غلف} . فعلم أنهم كاذبون في هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب؛ ولهذا قال: {بل لعنهم الله} و {طبع الله عليها بكفرهم} فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال سبحانه في البقرة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا

(1) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 256)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت