مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) . ف (غُلْف جمع أغْلَف. وأما '' غلُف '' بالتحريك فجمع غلاف، والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف. فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون في ذلك واللعنة هى الإبعاد عن الرحمة فلو عملوا به لرُحِموا؛ ولكن لم يعملوا به فكانوا مغضوبا عليهم ملعونين، وهذا جزاء من عرف الحق، ولم يتبعه وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقا له بالإقرار تصديقا وعملا. [1]
فإن التعلل بالقضاء والقدر والاحتجاج به على الكفر وتنكب الصراط هو ديدن إبليس وأشباهه وأتباعه في كل أوان. فإن قدر الله حقٌ، وهو نافذ، ولكن الله تعالى لا يمنع إيمانَ من يبغي إيمانًا، وإنما يطبع سبحانه على قلب الكافر بكفره جزاءًا وفاقًا {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (الصف: 5) فعاقبهم سُبْحَانَهُ بازاغة قُلُوبهم عَن الْحق لما زاغوا عَنهُ ابْتِدَاءً، وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (الأنعام: 110) ، وَلِهَذَا قيل من عرض عَلَيْهِ حق فَرده فَلم يقبله عُوقِبَ بِفساد قلبه وعقله ورأيه.
قال ابن عاشور: والغُلْف بضم فسكون جمع أغلف وهو الشديد الغلاف مشتق من غلَّفه إذا جعل له غلافا.
وهذا كلام كانوا يقولونه للنبي صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم للإسلام قصدوا به التهكم وقطع طمعه في إسلامهم وهو كقول المشركين: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} (فصلت: 5) . وفي الكلام توجيه لأن أصل الأغلف أن يكون محجوبا عما لا يلائمه فإن ذلك معنى الغلاف فهم يخيِّلون أن قلوبهم مستورة عن الفهم ويريدون أنها محفوظة من فهم الضلالات. ولذلك قال المفسرون: إنه مؤْذِن بمعنى أنها لا تعي ما تقول ولو كان حقا
(1) مجموع الفتاوى (16/ 13)