لوعته، وهذان المعنيان اللذان تضمنهما هذا التوجيه يلاقيهما الرد بقوله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم} أي ليس عدم إيمانهم لقصور في أفهامهم، ولا لعلوها عن قبول مثل ما دعوا إليه، ولكن لأنهم كفروا فلعنهم الله بكفرهم وأبعدهم عن الخير وأسبابه.
وبهذا حصل المعنيان المرادان للمفسرين من غير حاجةٍ إلى فرض احتمال أن يكون (غلْف) بالتحريك جمع غلاف لما فيه من التكلف في حذف المضاف (= يقولون: ذوات غُلُف) حتى يُقدَّر أنها أوعية للعلم والحق فلا يتسرب إليها الباطل.
وقوله: {بل لعنهم الله بكفرهم} تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفاتٍ لحجة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول، فاللعنة حصلت لهم عقابا على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق. [1]
(1) يقول العلامة ابن قيم الجوزية: وأما قول من قال: هي أوعية للحكمة، فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة. وليس له في القرآن نظير يحمل عليه، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل: قلبي غلاف، وقلوب المؤمنين العالمين غلف، أي أوعية للعلم.
والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء. فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة. وهذا ظاهر جدا.
فإن قيل: فما معنى الإضراب: ب «بل» على هذا القول الذي قويتموه؟.
أما على القول الآخر فظاهر، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة، بل مطبوع عليها.
قيل: وجه الإضراب هنا في غاية الظهور. وهو انهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه. فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أنّ قلوبهم خلقت في غلف، فهم معذورون في عدم الإيمان. فأكذبهم الله وقال: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} وفي الآية الأخرى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ} فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم، وآثروه على الإيمان. فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة.
والمعنى: ان الله تعالى لم يخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه، ثم أمرهم بالإيمان، وهم لا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. انتهى من التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم (ص: 138)