وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خُلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة. وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. [1]
إن أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبار اليهود على الأنبياء وتكذيبهم وقتلهم أن الله لعنهم وطبع على قلوبهم، فلا يفقهون الحق ولا يقبلونه. [2]
ويقول علماء السلف: إن من بركة الحسنة وعلامة قبولها الحسنةُ تتبعها. وإن من شؤم المعصية وعقابها المعصية تتبعها.
ومن مباحث اللفظ في الآية {فقليلا ما يؤمنون} : أن كثيرا من المفسرين يزعمون أن (ما) زائدة وما هي بزائدة وفاقا لابن جرير الطبري، وجل القرآن أن يكون فيه كلم زائد،
(1) التحرير والتنوير لابن عاشور (1/ 600)
(2) مستفاد من كلام الحرالي رحمه الله نقلا عن نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي (2/ 34) . قال: كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن (إبليس) ومن الإنس (اليهود) وهو الذي انختم به القرآن في قوله: {من الجِنَّة والناس} (الناس: 6) ليتصل طرفاه، فيكون لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض القراء بوصله (= قرأ الناس ثم(ألم) البقرة) حتى لا يتبين له طرف، كما قالت المراة العربية لما سُئلت عن بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. انتهى كلامه. فسبحان مَنْ جعل كلام متصلًا ككلمةٍ واحدةٍ لا أول لها ولا آخر.