لأنه قصد أن يصوّر لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها، مشاهدة للتعجيب من جرأته على كل هول، وثباته عند كل شدّة. انتهى [1]
-وكذلك من هذه الأساليب الرائعة أسلوب التصوير المتحرك الذي يرسم مشهدا تمثيليا للمعنى المراد.
وأكثره في أمثال القرآن، وعلماء البلاغة يسمونه"التشبيه التمثيلي أو الاستعارة التمثيلية"وهو تمثيل حال بحال بدون قصد تشابه كل تفاصيل الحالتين، بحيث يصير المقصود هو المشهد الكلي في حالةٍ بجملة تفصيلها والمشهد الكلي للحالة المناظرة كما في أول سورة البقرة في المثلين الناري والمائي {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ... } الآيات [البقرة: 17 - 20] فقد مثل حال أولئك المنافقين الذين كانوا في ظلمة الكفر وبرده، فأضاء الله لهم نور الهداية بيدى رسوله، فأطفئوها بنفاقهم فلم يب لهم غير نار التردد والتشكك وظلمات الحيرة، شبههم بحال من كان في ليلِ بهيم فاستضاء شعلةً من نار يستهدي بها ويستدفئ، ولكن سرعان ما خفتت، فعاد إلى الظلمة والبرد وربما اكتوى بالجمر في تخبطه. هذا الاستحضار لتلك الصورة في وصف هذا المعنى هو خصيصةٌ تميز بها القرآن في براعة وبلاغة رسمها في تفاصيلٍ نورانية لا تكاد تضاهيها بلاغةٌ إلا في شذراتٍ متفرقاتٍ.
-ثم إن من الأساليب الراقية للمشاهد القرآنية الأسلوب الحواري الذي يقف بالمتلقي على تفاصيلٍ في الصورة المراد توضيحها لا يرتقي أسلوبٌ آخر إلى منزلتها في البيان.
وهذا تجده في أرقى أبعاده الجمالية في قصص الأنبياء، وخصوصا في قصة يوسف عليه السلام، وقصة موسى، وحوار أهل الأعراف مع أهل الجنة والنار ... إلخ هذا الأسلوب الراقي في رسم المعاني القرآنية في قمة صور البلاغة، ومن أجمل ما قرأت في ذلك كتاب الشيخ الراحل سيد طنطاوي رحمه الله (الحوار في القرآن الكريم) ، وقد جمع فيه وأحسن، والله يتقبله بفضله.
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (3/ 601)