فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 604

-ومن الأساليب التي تتميز باستحضار الغيب لأبلغ درجات الشهود هو الالتفات في الضمائر الذي يأخذ المتلقي من حيز المستمع إلى موضع المشارك في الحدث؛ المشاهد له؛ الحاضر فيه.

ومثال ذلك قوه سبحانه: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يونس: 22، 23] ، فإن الالتفات (التبديل بين الضمائر) في هذه الآيات ينتقل بالقارئ البصير من موضع المستمع إلى موضع المشاهد الحاضر. قال هنا الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب في"يسيركم"إلى الغيبة في"وجرين بهم"؟

قلتُ: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعى منهم الإنكار والتقبيح. [1]

هنا ينتزع شهادتهم على هذا الجحود وإنكار النعمة الربانية، بجعلهم شهودا على هذا المشهد من رفق الله بعباده، وحتى في موقف الضيق والايقان بالهلاك، وحين يدعونه يستجيب سبحانه، فماذا يكون منهم؟! الإنكار والجحود والكفر، فهذا ومثله من المواقف ضعوا أنفسكم مكانهم، واحكموا!

هذه الطريقة البليغة في تصريف الضمائر هي من خصائص بلاغة لغة القرآن العظيم.

هذه خمس طرقٍ استحضرها الآن، وإلا فالله يفتح بمنه على المخلصين بأمثالها عشرات. والحمد لله رب العالمين.

نعود للتفسير ونتوقف في إطارٍ تحليلي مع الآيات.

يقول تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ} هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية، فرد الله تعالى عليهم وكذبهم، وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام، وقال لهم على جهة التقريع والتوبيخ: أشهدتم يعقوب وعلمتم بما أوصى فتدعون عن علم؟، أي لم تشهدوا بل أنتم تفترون. [2]

(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/ 338)

(2) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 213)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت