مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة، واستدل بهذه الآية وهو أنه تعالى قال: {ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها} . وذلك يفيد أنه تعالى هو الآتي والمؤتي به هو من جنس القرآن، وما كان من جنس القرآن فهو قرآن. وقوله: {نأت بخير منها} يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة ولأن السنة لا تكون خيرا من القرآن ولا مثله. واحتج الجمهور على جواز نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا وصية لوارث» أجاب الشافعي رضي الله عنه: بأن هذا ضعيف لأن كون الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، وتقرير هذا وبسطه معروف في أصول الفقه. [1]
(5) يبقي لنا أن نعرف الفرق بين معنى"النسخ"عند السلف، ومعناه في اصطلاح فقهاء المتأخرين.
فهذا تنبيه هام على استعمال المتقدمين من السلف لاصطلاح النسخ وتعميمه ليشمل التخصيص والبيان الذي يكون بين الآيات، وعلى هذا المعنى درج كثير من السلف فاتسع لديهم باب النسخ جدا. ويكون النسخ عندهم يشتمل على معنى تغير في معنى أو أشخاص حكم آية بتخصيصٍ أو استثناء ونحوه.
(قال الإمام شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارةً-وهو اصطلاح المتأخرين-ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد مطلق. وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه. حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد. فالنسخ، عندهم وفي لسانهم، هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمرٍ خارج عنه. ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصَى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر. انتهى.
(1) تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل (1/ 68 - 69)