فهرس الكتاب

الصفحة 510 من 604

ويكون معنى الآية: فاعلم يا محمد ردا على اليهود المكذِّبين بنسخ الله تعالى لشرائعه وأحكامه، أنَّه إنْ ينسخ الله تعالى حكم آيةٍ فيبدلها بآيةٍ أخرى تنزل بعدها تكون أنفع للعباد في المعاش والمعاد في حينها؛ إن ينسخها أو يتركها ويرجئها ويؤخرها فلا ينسخها فهو سبحانه على كل شئٍ قدير؛ فلا شريك له في ملكه، ولا حد لقدرته، ولا محيط بعلمه وحكمته، ولا راد لحكمه.

والنسخ يعرفه أهل الفقه وأصوله بتعريفات كثيرة لعل أقربها عندي: أنه ارتفاع العمل بحكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه في النزول عُلم تأخره بيقين ولا يمكن الجمع بينهما. [1]

قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها} ، قال ابن عباس: بألين منها، وأيسر على الناس.

قوله تعالى: {أَوْ مِثْلِها} ، أي: في الثواب والمنفعة، فتكون الحكمة في تبديل حكم آيةٍ بمثلها الاختبار هل يطيع المؤمنون أم لا.

قال ابن عطية: ولفظة خير في الآية صفة تفضيل، والمعنى أنفع لكم أيها الناس في عاجلٍ إن كانت الناسخة أخف، وفي آجلٍ بالثواب إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية، (قلتُ-جامعه: فالأفضلية هنا بالنسبة للناس وانتفاعهم بالآيات لا بالنسبة للآيات في ذاتها) .

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ظاهره الاستفهام ومعناه التقرير، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة أمته. ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء، ويفعل في أحكامه ما يشاء، هو قدير على ذلك وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ. [2]

(1) وأقول: (ارتفاع العمل) لأن الحكم ثبت بالفعل وثبت العمل به، ولكن إلى وقت محدد في علم الله، ثم توقف العمل به. وأقول: (حكم شرعي) لأن الأخبار والعقائد والاحكام العقلية والعادية (= أحكام العادات) لا نسخ فيها، و (دليل شرعي) لأن الأدلة العقلية والعادية لا يصح بها النسخ، و (متأخر عنه في النزول) لا في ترتيب المصحف، فيكون العمل بالحكم الأول حتى نزول الأخير ونسخه إياه، (علم تأخره بيقين) أي بنقلٍ صحيح ممن عاصر نزول القرآن؛ اى بتوقيف من رسول الله أو صحابته الكرام. (ولا يمكن الجمع بينهما) لأنه إذا أمكن الجمع بينهما بتخصيص أو بغيره بطل معنى النسخ فالعمل حينئذٍ بالحكمين كليهما.

أقول: ولهذا تفصيل كبير في كتابي"المحكم والمتشابه في كتاب الله تعالى؛ دراسة تفصيلية، يسر الله تعالى إخراجه، والانتفاع به."

(2) راجع تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (1/ 190)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت