معنى قوله - تعالى: {وقولوا للناس حسنا} ، وليس معناه مجرد التلطف بالقول والمجاملة في الخطاب، فالحَسَن هو النافع في الدين أو الدنيا، وهو لا يخرج عما ذكرنا، فلما كان هذا النوع من الحقوق مستقلا بذاته جاء بأسلوب آخر، ولا شك أن في القيام بهذه الفرائض إصلاح الأمة كلها.]. [1]
قال السعدي رحمه الله: (ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصِم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاءً لثوابه.
ثم أمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنةٌ للإحسان إلى العبيد.
{ثُمَّ} بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل، عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها، وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم {تَوَلَّيْتُمْ} ، {وأنتم معرضون} أى على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى، وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان.
وقوله: {إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ} هذا استثناء، لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم. [2]
وهنا جاءت جملة {إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ} معترضة بين {ثم توليتم} و {معرضين} وهى مما يسميه البلاغيون (الاحتراز) ، وهو توجيه للمعنى حتى لا يوهم غيره؛ ومن الاحتراز أيضًا قول عبد الله بن المعتز بالله في صفة الخيل:
(1) تفسير المنار (1/ 305)
(2) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 57 - 58)