والأمر بالإحسان هنا هو قطع لمعنى الإساءة، ومعنى عدم الإحسان كليهما، فهما ضدا الإحسان. ولذلك كان من كبار الحسنات في الإسلام بر الوالدين. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا) قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ) قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) - قَالَ حدثني بهن ولو استزدته لزادنى [1] .
وعن عروة بن الزبير في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} (سورة الاسراء: 24) قال: لا تمتنع من شيء أحباه. انتهى وغيره الكثير من الآثار التي تدل دلالةً قاطعةً على وجوب الإحسان إلى الوالدين وحرمة الإساءة إليهما، ولذلك كثيرًا ما جاءنا هذا الاقتران الثنائي في آيات القرآن بين الأمر بالتوحيد والإحسان إلى الوالدين.
[وأما قوله - عز وجل: {وقولوا للناس حسنا} فهو كلام جديد له شأن مخصوص، ولذلك تغير فيه الأسلوب، فلم يرد على النسق الذي قبله مع دخوله في الميثاق، فإنه بيَّن سبحانه فيما سبق الحقوق العملية وعبر عنها بالإحسان، ويستحيل أن يحسن الإنسان بالفعل إلى جميع الناس؛ لأنه لا يمكن أن يعامل جميع الناس، فالذين لا بد له من معاملتهم هم أهل بيته وأقاربه الذين ينشأ فيهم ويتربى بينهم، فجاء النص بوجوب الإحسان في معاملتهم لتصلح بذلك حال البيوت، ثم بعد بيان ما به إصلاح البيوت من إعانة الأقربين، وما به صلاح بعض العامة من معونة اليتامى والمساكين على إصلاح بيوتهم، بقي بيان حقوق سائر الأمة، وهي النصيحة لهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم، فهذا هو
(1) صحيح «الإرواء» (1198) . وكذا في الأدب: عن طَيْسَلة (واسمه علي) بْنُ مَيّاس قَالَ: قال لي بن عمر أتفْرَق (أى تخاف) من النَّارَ وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ. قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدُكَ؟. قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي قَالَ: فَوَاللَّهِ لَوْ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ وَأَطْعَمْتَهَا الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر. صحيح «الصحيحة» (2898) .