هذا الذي رزقنا من قبل، يعني أطعمنا في أول النهار ; لأن لونه يشبه ذلك، فإذا أكلوا منها وجدوا لها طعما غير طعم الأول. [1]
{وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} والهاء في"به"عائدة على الرزق، فتأويله: وأتوا بالذي رُزقوا من ثمارها متشابهًا .. قال بعضهم: تشابهه أنّ كله حسنٌ لا رَذْلَ فيه. قال قتادة: وإن ثمار الدنيا يُنقَّى منها ويُرْذَل منها، وثمار الجنة حسنٌ كله، لا يُرْذَل منه شيء. وقال بعضهم: متشابها في اللَّوْن والمرْأى، وليس يُشبه الطعمَ. وعن ابن عباس قال: هذا على وجه التعجب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء، فكأنهم تعجبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها.
{وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}
{لهم} أى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، {فيها} أى الجنات.
والأزواج جمع زَوْج، وهي امرأة الرجل. يقال: فلانة زَوْجُ فلان وزوجته .. فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة؛ قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة .. وأما قوله: {مطهَّرة} فإن تأويله أنهن طُهِّرن من كل أذًى وقَذًى وريبةٍ، مما يكون في نساء أهل الدنيا، من الحيض والنفاس والغائط والبول والمخاط والبُصاق والمنيّ، وما أشبه ذلك من الأذى والأدناس والرِّيَب والمكاره، وورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكنَّ يوم القيامة أجمل من الحور العين كما قال تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة: 35 - 37] أى خلقناهن خلقا جديدا يكن فيه على أحسن ما يكون متحبباتٍ لأزواجهن مُطَهَّراتٍ متساوياتٍ في السن لا يكبرن ولا يفارقن بكارتهن.
{وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } يعني: و {هم} الذين آمنوا وعملوا الصالحات {فيها} في الجنات خالدون .. وخلودهم فيها دوام بقائهم فيها على ما أعطاهم الله فيها من الْحَبْرَةِ والنعيم المقيم .. [2] .
[فتأمل جلالة المبشّر ومنزلته وصدقه، وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه] [3] .
(1) ورجح الطبري القول الأول أنهم كلما رزقوا من ثمارها رزقا قالوا: هذا كما رزق الدنيا وثمارها؛ وإنما اشتبه عليهم، لأن الله أجرى لهم ما يعرفون شكله، ولكن طعم ثمار الجنة فوق الوصوف حلاوةً .. وذلك لكون الكلام لا يستقيم أن يقولوا ذلك عن ثمار الجنة وتشابهها شكلا ولونا مرةً بعد مرةً في أول دخولهم فيها ولم يذوقوا من ثمارها شئ .. هكذا وجه الطبري رأيه وهو حسن في باب النظر في وجوه الكلام.
(2) راجعت في تفسير هذه الآيات ابن جرير الطبري = جامع البيان ت شاكر (1/ 362 - 369) ، وتفسير القرطبي ج 1 ص 125 - 129، وتفسير الكشاف للزمخشري ج 1 / ص 95 - 104.
(3) التفسير القيم = تفسير القرآن الكريم لابن القيم (ص: 132)