{وبشِّر} ، فإنه يعني: أخبرهم. والبشارة أصلها الخبرُ بما يُسَرُّ به المرء، إذا كان أول مَا يُخبَر به .. فلا يقال بشرته إلا إذا كنت أول من يخبره بما يسره ويفرحه [1] .. وسُميت بشارةً لأنها تؤثر في بشرة الوجه لإنفعال المرء بها .. ولا تستعمل البشارة في الشر وما يسوء إلا تهكمًا وتبكيتا كما قال تعالى في المشركين {فبشرهم بعذاب أليم} ...
والآية أمر من الله تعالى لنبيَّه صلى الله عليه وسلم بإبلاغ بشارته لخلقه الذين آمنوا به وبرسوله وبما جاء به من عند ربه، وصدّقوا إيمانهم ذلك وإقرَارهم بأعمالهم الصالحة، فقال له: يا محمد، بشِّرْ هؤلاء أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خاصةً لهم من دون من عاند وكفر .. والجنات: جمع جنة، والجنة: البستان. {تجري من تحتها الأنهار} أي ماء الأنهار، فنسب الجري إلى الأنهار توسعا، وإنما يجري الماء وحده فحذف اختصارا، كما قال تعالى: {واسأل القرية} أي أهلها؛ وهو من المجاز .. و إنما أراد جل ثناؤه الخبرَ عن ماء أنهارها أنه جارٍ تحت أشجارها وغروسها وثمارها، لا أنه جارٍ تحت أرضها .. ولذلك جاء التعبير {تجري من تحتها} بدلا من {تجري تحتها} ..
{كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}
{كلما رُزقوا منها} : يعني من الجنات، والهاء راجعةٌ على الجنات، وإنما المعنيّ أشجارها، فكأنه قال: كلما رُزقوا - من أشجار البساتين التي أعدّها الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات في جناته - من ثمرة من ثمارها رزقًا قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبل .. قال القرطبي: ومعنى: {من قبل} يعني في الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما: أنهم قالوا هذا الذي وعدنا به في الدنيا. والثاني: هذا الذي رزقنا في الدنيا ; لأن لونها يشبه لون ثمار الدنيا، فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك وقيل: من قبل يعني في الجنة لأنهم يرزقون ثم يرزقون، فإذا أتوا بطعام وثمار في أول النهار فأكلوا منها، ثم أتوا منها في آخر النهار قالوا:
(1) نكتة بلاغية ذكرها القرطبي في تفسيره 1/ 228: أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر، فبشره واحد من عبيده فأكثر فإن أولهم يكون حرا دون الثاني. واختلفوا إذا قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر فهل يكون الثاني مثل الأول، فقال أصحاب الشافعي: نعم ; لأن كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا: لا ; لأن المكلف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك يختص بالأول، وهذا معلوم عرفا فوجب صرف القول إليه. وفرق محمد بن الحسن بين قوله: أخبرني، أو حدثني، فقال: إذا قال الرجل أي غلام لي أخبرني بكذا، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حر - ولا نية له - فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يعتق ; لأن هذا خبر. وإن أخبره بعد ذلك غلام له عتق ; لأنه قال: أي غلام أخبرني فهو حر. ولو أخبروه كلهم عتقوا، وإن كان عنى - حين حلف - بالخبر كلام مشافهة لم يعتق واحد منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر. قال: وإذا قال أي غلام لي حدثني، فهذا على المشافهة لا يعتق واحد منهم.