فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 604

فهذا مثال للتأويل المردود الذي طالما نتحدث عنه في تدبر كتاب الله تعالى، وقد توسع بمثله الأستاذ محمد عبده وتلميذه رشيد رضا في تفسير المنار حتى أنكروا بتأويلهم ذاك جملةً من المعجزات والخوارق التي تقع في إطار جواز العقول، ولا تُنكَر على القدرة الإلهية، كفعلهم -مثلًا- بتأويل الطير الأبابيل في سورة الفيل، والعصف الماكول بأنها طيور تحمل مرض الجدري small box، وهذا فرار من ظاهر وحقيقة النص بغير داعٍ، فلا ينكر العقل قدرة الله تعالى، كما أن مثل ذلك التأويل لا يتناسب مع العقل عند التأمل ... ! فهذه اللمحة إنما هى للإشارة إلى بعض ضوابط تدبر كتاب الله تعالى.

يقول الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن، ج 6، ص: 3979 حين حديثه عن تأويل المدرسة العصرانية العقلانية التي يمثلها الشيخ محمد عبده للخوارق وتفسيرها القرآن على أساس عقلي مبالغ فيه؛ يقول رحمه الله:

إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية، لعل هنا مكان تقريرها .. إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة. لا مقررات عامة.، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص.

بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا. فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانية، ومنها نكوّن قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعا فإذا قررت لنا أمرا فهو المقرر كما قررته! ذلك أن ما نسميه «العقل» ونريد أن نحاكم إليه مقررات القرآن عن الأحداث الكونية والتاريخية والإنسانية والغيبية هو إفراز واقعنا البشري المحدود، وتجاربنا البشرية المحدودة.

وهذا العقل في النهاية محدود بحدود وجودنا البشري. وهذا الوجود لا يمثل الحق المطلق كما هو عند اللّه تعالى.

والقرآن صادر عن هذا الحق فهو الذي يحكمنا. ومقرراته هي التي نستقي منها مقرراتنا العقلية ذاتها. ومن ثم لا يصلح أن يقال: إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل فلا بد من تأويله - كما يرد كثيرا في مقررات أصحاب هذه المدرسة. وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة. ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن. ومتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت