أقول: للمفسرين هنا كلام كثير لا طائل تحته عن مدة مسخهم، وحال مسخهم، وهل للممسوخ ذرية أم لا؛ في تكلفٍ ظاهرٍ على الحكمة والهدف العام والعبرة من وراء هذه القصة. ومثل ذلك يقال في قصص القرآن عامةً؛ إذ أن سياق القصة القرآنية دائما ما يفي بحاجة العبرة والعظة والاحتجاج والفائدة المحضة بغير تكلف ما لا فائدة في الخوض فيه. يقول ابن كثير في مقدمة تفسيره: ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. انتهى.
فما اوجزه الله تعالى وسكت عنه في كتابه فقطعا لا فائدة فيه كما قال تعالى شأنه: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } (هود: 120) فقوله تعالى: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ} أى في هذه السورة، أو في هذه الأنباء وهو أصح عندي. أى أن الحق والنافع والمفيد ما ذكره الله تعالى وحسب؛ بدلالة '' ال'' التي تفيد الحصر والقصر.
روي عن مجاهد في تفسير هذه الآية أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وجعلت أفهامهم كأفهام القردة. ولم يقله غيره من المفسرين، إلا ما كان من الشيخ محمد عبده وتفسير المنار حيث عرض لهذا الرأى وأخذ ينتصر له بما لا طائل تحته، فراجعه مشكورا. وهذا الرأى مردود لأن مسخ القلوب نقل لللآية من معناها الظاهر إلى مجازٍ غريب لا يساعده الفهم أصلًا، ثم ما معنى مسخ القلوب وجعل أفهامهم كالقردة، وما النكال في ذلك؟ وخصوصًا أن من البشر من هو في فهمه أقل من القرود وليس الأمر نكالا لهم؛ بل هو من قدر الله تعالى وتوزيعه رزقه بين خلقه.