(ج) وعن أبي بن كعب قال: كان رجل ما أعلم أحدا من أهل المدينة ممن يصلي إلى القبلة أبعد منزلا منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع لرسول عليه السلام، فقيل له: لو اشتريت حمارا لتركبه في الرمضاء والظلماء، فقال: والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسأله فقال: يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري، فقال عليه الصلاة والسلام: «لك ما احتسبت أجمع» أخرجه مسلم.
(د) وعن جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد، فقالوا: نعم قد أردنا ذلك قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم» . رواه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] .
(هـ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشيا والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجرا ممن يصليها ثم ينام» أخرجاه في الصحيح. انتهى.
وقَوْله تَعَالَى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ} [البقرة: 114]
يَعْنِي إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، وَحَصَلَتْ تَحْتَ سُلْطَانِهِمْ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْكَافِرُ حِينَئِذٍ مِنْ دُخُولِهَا يَعْنِي إنْ دَخَلُوهَا فَعَلَى خَوْفٍ مِنْ إخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ مِنْهَا وَأَذِيَّتِهِمْ عَلَى دُخُولِهَا؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْكَافِرِ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِحَالٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [1]
{لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} فأما خزي الدنيا فهو ما يعقبه الظلم من فساد العمران، المفضي إلى الذل والهوان، وناهيك بظلم يحل القيود ويهدم الحدود، ويغري الناس بالفواحش والمنكرات،
(1) راجع في هذا والدر المنثور للسيوطي: 1/ 264 - 265، وتفسير ابن كثير: 1/ 274، والطبري: 2/ 520 - 521. وتفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 179) . وأحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (1/ 50) .