تقف هذه الحروف بالقرآن موقف المتحدي على عظمته ليس بالسورة، أو الآية، وليس بالكلمة .. وإنما هو إعجاز وتحدي القرآن للدنيا كلها بالحرف .. {ذلك الكتاب} الذي نزل على محمد - صلوات الله عليه - هو الكتاب الكامل الحق الذي لا يدانيه كتاب {لا ريب فيه} أى لا شك أنه من عند الله تعالى {فيه هدى} و سر تنكير (هدى) أن كل أنواع الهداية والصلاح والرشاد فيه لمن يبحث عن الحق والخير .. {هدى للمتقين} جمع متقٍ، وهو المؤمن المطيع لأوامر الله. وأصلُ الاتقاء هو اتخاذ الوقاية التي تحجز عن الشر، فكأن المتقي يجعل امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه حاجزًا واقيا بينه وبين الغضب والعقاب الإلَهي، وللمتقين من الاختصاص بمزيد وعظيم الانتفاع به ما ليس لغيرهم لأنهم يقرأونه قراءة المؤمن المستبصر؛ أما الجاحدين المنكرين فهو عليهم عمىً ..
ثم بيَّن تعالى صفات هؤلاء المتقين فقال سبحانه: {الذين يؤمنون بالغيب} أى يُصَدِّقُونَ بِحَزمٍ وإِذعَانٍ بما لاَ يَقَعُ تَحْتَ حَواسِّهِمْ (الغَيْبِ) فَيُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَبِمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَجَنَّتِهِ وَلِقَاءِهِ، وَبِالحَيَاةِ بَعْدَ المَوْتِ.
فأول أصول التقوى فيهم الإيمان بالغيب؛ ذلك الذي غاب عن ادراكهم ولكن رأوه بقلوبهم وعقولهم في كلام الله وكلام رسوله، فكان إيمانهم نورًا يسيرون به في الحياة ليشهدوا عظمة الله في الخلق والأمر .. وملاك التقوى هو الإيمان، فلا تقوى لمن لا إيمان له، فإذا جاء الإيمان على تلك الصورة، كان داعية لأن يقيم الإنسان على طريق التقوى، وأن يؤهّله لتلك الصفات التي وصف الله سبحانه بها المتقين: الذين {يقيمون الصلاة} ؛ وهى أول الدين بعد الإيمان لأنها الصلة بين الخلق والخالق؛ أي يؤدونها على الوجه الأكمل بشروطها وأركانها، وخشوعها وآدابها قال ابن عباس: إقامتُها: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع .. {ومما رزقناهم} أى من أطيب رزق الله لهم وأحسنه {ينفقون} في الزكاة والجهاد والصدقة وكل إنفاقٍ في سبيل الله؛ ليصير المجتمع ربانيًا مترابطًا متكافلًا .. قال ابن كثير: كثيرًا ما يقرن تعالى بين الصلاة والإِنفاق من الأموال، لأن الصلاة حقُّ الله وهي مشتملة على توحيده وتمجيده والثناء عليه، والإِنْفاقُ هو الإِحسان إلى المخلوقين وهو حق العبد، فكلٌ من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة داخل في الآية الكريمة ..
والمتقون في كل عصرٍ سواء كانوا من الأمم السابقة أو اللاحقة {يؤمنون بما أنزل إليك} أي يصدقونه بكل ما جئت به عن الله تعالى إيمانًا مفصلًا يملك عليهم حياتهم ويصرِّفها وفق نور الله سبحانه .. {وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ} أي ويؤمنون إيمانًا مجملًا بما جاءت به الرسل من قبلك، لا يفرّقون بين كتب الله ولا بين رسله .... إيمانًا يجعل النور الرباني والهداية حلقةً متصلةً عبر البشرية؛ وعلى لسان كل الرسل .. وهذا الإيمان بالإله الواحد وبرسالةٍ واحدةٍ تأتي بثمرة التقوى وتحقيق انتقالها من الوجدان الإنساني إلى أرض الواقع والحياة، وهى الاستعداد ليوم الحساب بمراقبة الله في كل حركات المؤمن، فأهل التقوى {ِبالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} باليوم الآخر، وما فيه من حساب، وثواب، وعقاب