فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 604

إلا الفاسقين .. والله - سبحانه - يطلق الابتلاءات والامتحانات تمضي في طريقها , ويتلقاها عباده , كل وفق طبيعته واستعداده , وكل حسب طريقه ومنهجه الذي اتخذه لنفسه. والابتلاء واحد .. ولكن آثاره في النفوس تختلف بحسب اختلاف المنهج والطريق ..

الشدة تُسلَّط على شتى النفوس , فأما المؤمن الواثق بالله وحكمته ورحمته فتزيده الشدة التجاءا إلى الله وتضرعا وخشية. وأما الفاسق أو المنافق فتزلزله وتزيده من الله بعدا , وتخرجه من الصف إخراجا.

والرخاء يُسلَّط على شتى النفوس , فأما المؤمن التقي فيزيد الرخاء يقظة وحساسية وشكرا. وأما الفاسق أو المنافق فتبطره النعمة ويتلفه الرخاء ويضله الابتلاء .. وهكذا المثل الذي يضربه الله للناس .. {يضل به كثيرا} ممن لا يحسنون استقبال ما يجيئهم من الله , {ويهدي به كثيرا} ممن يدركون حكمة الله .. {وما يضل به إلا الفاسقين} الذين فسقت قلوبهم من قبل وخرجت عن الهدى والحق , فجزاؤهم زيادتهم مما هم فيه من الضلال!

ويفصِّل السياق صفة الفاسقين هؤلاء , كما فصل في أول السورة صفة المتقين ; فالمجال ما يزال - في السورة - هو مجال الحديث عن تلك الطوائف , التي تتمثل فيها البشرية في شتى العصور، فتأتي الإجابة على السؤال: من هم هؤلاء الفاسقين؟: هم {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه , ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل , ويفسدون في الأرض. أولئك هم الخاسرون} .. فأي عهدٍ من عهود الله هو الذي ينقضون ? وأي أمرٍ مما أمر الله به أن يوصل هو الذي يقطعون؟ وأي لونٍ من الفساد في الأرض هو الذي يفسدون ? لقد جاء السياق هنا بهذا الإجمال لأن المجال مجال تشخيص طبيعةٍ , وتصوير نماذجٍ , لا مجال تسجيل حادثةٍ , أو تفصيل واقعة ..

إن الصورة هنا هي المطلوبة في عمومها. فكل عهدٍ بين الله وبين هذا النموذج من الخلق فهو منقوض ; وكل ما أمر الله به أن يوصل فهو بينهم مقطوع ; وكل فسادٍ في الأرض فهو منهم مصنوع .. إن صلة هذا النمط من البشر بالله مقطوعة , وإن فطرتهم المنحرفة لا تستقيم على عهدٍ ولا تستمسك بعروةٍ ولا تتورع عن فساد.

إنهم كالثمرة الفجة التي انفصلت من شجرة الحياة , فتعفنت وفسدت ونبذتها الحياة .. ومن ثَمَّ يكون ضلالهم بالمثل الذي يهدي المؤمنين ; وتجيء غوايتهم بالسبب الذي يهتدي به المتقون ..

وننظر في الآثار الهدامة لهذا النمط من البشر الذي كانت الدعوة تواجهه في المدينة في صورة اليهود والمنافقين والمشركين ; والذي ظلت تواجهه وما تزال تواجهه اليوم في الأرض مع اختلافٍ سطحي في الأسماء والعناوين!] انتهى.

إن الكائنات كلها ـ صغيرها وكبيرها ـ صنعة اللّه، خلقها بحكمته، وأبدعها بقدرته .. فهى في معرض ملكه سواء في الإعلان عن تلك الحكمة وهذه القدرة، ففي كل ذرة من ذرات هذا الكون العظيم آيةٌ تحدّث عن جلال اللّه وعظمته!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت