فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 604

علماء البلاغة .. ولله درّ أمر التنزيل وإحاطته بفنون البلاغة وأصنافها، لا تكاد تستغرب منها فنًا إلا عثرت عليه في القرآن على أقوم منهجٍ وأسد طريقة. [1] ....

قلتُ: ومنهج السلف في إمرار مثل هذه الصفات المتشابهة كما جاءت بغير تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف؛ وهو الحق الذي لا محيد عنه وإلا لانجر ذلك بنا إلى التأويل المذموم الذي يفتح أبوابا لا تنسد وتفسد علينا الدين .... وهذه عقيدة أهل الحديث في إثبات ما أثبته الله لذاته العلية بلا تكييف أو تمثيل أو تعطيل أو تحريف .. نثبت لله صفاته على الوجه الذي يليق به سبحانه، ونفوض المعنى فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا في سائر صفاته كالغضب والفرح والاستحياء وغيره [2] ..

يقول الأستاذ محمد عبده كما نقل عنه في [تفسير المنار ص: 211] : أجمعت الأمة الإسلامية على أن الله - تعالى - منزه عن مشابهة المخلوقات وقد قام البرهان العقلي والبرهان النقلي على هذه العقيدة، فكانت هي الأصل المحكم في الاعتقاد الذي يجب أن يرد إليه غيره وهو التنزيه، فإذا جاء في نصوص الكتاب أو السنة شيء ينافي ظاهره التنزيه فللمسلمين فيه طريقتان:

(إحداهما) طريقة السلف وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل كقوله - تعالى: (ليس كمثله شيء) (43: 11) وقوله - عز وجل: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) (37: 180) وتفويض الأمر إلى الله - تعالى - في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا، ويأتينا في ذلك بما يقرب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيلاتنا.

(1) [قال الزمخشري في الكشاف: وكذلك معنى قوله: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلًا بالذباب والعنكبوت؛ فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال .. وهو فنّ من كلامهم بديع، وطراز عجيب .. ومنه قول أبي تمام: مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّها ... أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ

(فلما ذكر بناء الدار جعل البناء للجار أيضًا مجازًا عن اختياره من باب المقابلة والمشاكلة) .. وشهد رجل عند شريح. فقال: إنك لسبط (من سهولة الشعر ونعومته) الشهادة. فقال الرجل: إنها لم تجعد (من الجعودة وهى خشونة الشعر وتجعده) عني. فقال: لله درك، وقبل شهادته .. فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة. ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار. ولولا سبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 112) .

(2) راجع العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وشروحها. أقول: وعلى الرغم من عبقرية الزمخشرى في استنباط اللمحات البلاغية واللغوية الممتعة في القرآن؛ إلا أن تفسيره امتلأ بمفاهيم المعتزلة، فوجب الحذر من ذلك، أو قراءته مع حواشي العلماء المدركين لخطره كإبن المنير السكندري وحاشيته الانتصاف على الكشاف جزاه الله خيرا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت