ويقال لم يقل الحق سبحانه: أنهم لا يفسدون فيها ولا يسفكون الدماء؛ بل قال: «إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ» ، من غفراني لهم.
ويقال: في تسبيحهم إظهار فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم، ومن غفرانه لمعاصي بنى آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته، والحق سبحانه غنى عن طاعات كل مطيع، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه واستحقاقه وحده الحمد على خلقه وأمره.
ويقال: إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا، وذكاء سرائرهم في حفظ عهودنا وإن تدنّس بالعصيان ظاهرهم؛ (قلت: فمَن من البشر لا يأتي بمعيب؟ وإنما ذلك دليل الكمال لله تعالى وحده .. وهذا درس مهم في المعاملة مع الله تعالى غافر الذنب وقابل التوب) ، كما قيل: وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيعِ
ويقال: إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم، وأنتم تظهرون أحوالكم، وأنا أخفى عليهم أسراري فيهم (أقول: وهو درس آخر فهمته الملائكة وجاءنا به القرآن العظيم في فقه المعاملة مع الله تعالى بوجوب التسليم لأمره وحكمه، فهو سبحانه العليم الحكيم) ، وفى معناه أنشدوا: ما حطّك الواشون عن رتبةٍ ... عندي ولا ضرك مغتابُ
كأنهم أثنوا- ولم يعلموا- ... عليكَ عندي بالذي عابوا.
ويقال: إني أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم، وصولة قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم، فأنتم في رتبة وفاقكم وفى عصمة أفعالكم، وفى تجميل تسبيحكم، وهم منكرون عن شواهدهم، متذللون بقلوبهم، وإن لانكسار قلوب العباد عندنا لذمة ووصلًا (قلت: وهو كما يقول السلف: رب ذنبٍ أورث ذلًا وانكسارًا خير من طاعةٍ أورثت عزًا واستكبارًا .. لأن أصل العبودية الذل والانكسار بين يدى الله تعالى، ولعل ما حصل من إبليس اللعين بعدُ يشير إلى هذا المعنى بوضوحٍ فتأمله) .
ويقال: أي خطرٍ لتسبيحكم لولا فضلي، وأي ضررٍ من ذنوبهم إذا كان عفوي؟
ويقال: لبّستكم طاعتكم ولبستهم رحمتي، فأنتم في قميص طاعتكم وفى حلّة تقديسكم وتسبيحكم، وهم في تغمد عفوي وفى ستر رحمتي؛ ألبستهم ثوب كرمي، وجللتهم رداء عفوي .. إن أسعدتكم عصمتي فلقد أدركتهم رحمتي.
وإيصال عصمتي بكم عنده وجودكم وتعلّق رحمتي بهم في أزلي .. ولئن كان محسنكم عتيق العصمة فإن مجرمهم غريق الرحمة (قلت: رويت هذه المعاني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة منها: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي «. وَفِي رِوَايَةٍ» غَلَبَتْ غَضَبي"متفق عليه،