وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» . رَوَاهُ مُسلم) ..
ويقال: اتكالهم علىّ زكّى أحوالهم ألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما مَنّ به الحق عليهم فقالوا: «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا» (قلت: وفي هذا المعنى حتى يتعلق المتعلقون برحمة الله تعالى وعلمه وحكمته ويسلمون قياد أمورهم إليه فتصح منهم عرى العبودية .. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَنْ يُنَجِّي أَحَدًا منكمٌ عَمَلٌ". قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا ورُوحُوا, وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلجة والقصد والقصدَ؛ تبلغوا".) .
قال الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) } ..
عموم قوله تعالى"الأسماء"يقتضى الاستغراق، واقترانه بقوله سبحانه"كلها"يوجب الشمول والتحقيق، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها- على ما نطق به تفسير ابن عباس وغيره- علّمه أسماء الحق سبحانه، ولكن إنما أظهر لهم محل تخصصه في علمه أسماء المخلوقات، وبذلك المقدار بان رجحانه عليهم، ومَن ليس له رتبة مساواة آدم في معرفة أسماء المخلوقات فأى طمعٍ في مداناته في أسماء الحق، ووقوفه على أسرار الغيب؟
وإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يقتضى أن يصحّ به سجود الملائكة (تشريفًا لصنعة الله وعلمه وحكمته تعالى في آدم وذريته) فما الظن بمن أكرمه الله بمعرفة أسماء الحق سبحانه وصفاته؟
ويقال: أكرمه في السر بما علّمه ثم بيّن تخصيصه يوم الجهر وقدّمه.
وأما قوله تعالى: «ثُمَّ عَرَضَهُمْ على الملائكة» ثم: حرف تراخ ومُهْلة .. إمّا على آدم فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك في قلبه، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذ استخبره (سأله) عما تحقّق به واستيقنه. وإمّا على الملائكة فقال لهم على وجه الوهلة: «أَنْبِئُونِي» فلمّا لم يتقدم لهم تعريف تحيّروا، ولمّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر، ونطق وأفلح، إظهارا لعنايته السابقة- سبحانه- بشأنه.
وقوله: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» فيه إشارة إلى أنهم تعرّضوا لدعوى (= لإدعاء) الخصوصية، والفضيلة والمزية على آدم، فعرّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه (لمن يخص وله الخلق والأمر) . ولمّا علم الحقّ سبحانه تقاصر علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات؛ ثم كلّفهم الإنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنّ الأمر أمره، والحكم حكمه، فله تكليف المستطيع، ردا على من توهّم أن أحكام الحق سبحانه معلّلة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء، الحسن ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه «قلت: وفي هذا رد على المعتزلة الذين يقولون -زورًا وسوء أدب مع الله تعالى-: لا يصح أن يكلف الله تعالى بما لا