يُستطاع، والحسن ما حسنه العقل والقبيح ما استقبحه .. كما قال القشيري في رسالته: (ولكنهم نزهوا الله من حيث العقل فأخطأوا ونزهه الصوفية من حيث العلم فأصابوا) ، والمعتزلة وذيولهم يحكمون عقولهم في أمر الله وحكمته، هداهم الله ووقانا طريقهم».
(قال الله سبحانه عن اعتذار الملائكة وتسليمهم لربهم الخلق والأمر) : {قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) }
قدّموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به، ونزّهوا حقيقة حكمه عن أن يُعترض عليه وهم المعترضون، يعنى: لا علم لنا بما سألتنا عنه،،"إنك أنت العليم الحكيم"أي ما تفعله فهو حقّ صدق ليس لأحد عليك حكم، (ولا منك غير الحكمة والعلم) .
قال سبحانه: {قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) }
من آثار العناية بآدم عليه السّلام أنّه لمّا قال للملائكة: «أَنْبِئُونِي» داخلهم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم، لا سيما حين طالبهم بإنبائهم إياه ما لم تحط به علومهم. ولما كان حديث عن آدم عليه السّلام ردّه في الإنباء إليهم فقال: «أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ» ، ولم يقل (أنبئني) ، ومخاطبة آدم عليه السلام الملائكة لم يوجب له الاستغراق في الهيبة (قلت: وهو أبلغ في تعليمهم الدرس في معاملة القلوب للحق سبحانه) . فلما أخبرهم آدم عليه السّلام بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يعنى ما تقاصرت عنه علوم الخلق، وأعلم ما تبدون من الطاعات، وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم عليه السّلام والصلاة.
[فصل] ولمّا أراد الحق سبحانه أن ينجّى آدم عصمه، وعلّمه، وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نسى في الحضرة عهده، وجاوز حدّه، فقال الله تعالى: «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإحسان، والوقت الذي أمضى عليه الحكم ردّه إلى حال النسيان والعصيان، كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجرى وتمضى، ذلّ بحكمه العبيد، وهو فعّال لما يريد (قلت: وهو درس جديد وخطير في أن الله تعالى يعز من يعز بعنايته، ويهلك من هلك بإهماله وتركه لجنايته، ولهذا مزيد بيان في قصة آدم وإبليس بعدُ) .
[فصل] ولمّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرّفهم أن بساط العز الإلهي مُقدَّسٌ عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزِلة جاحدٍ عنيد، فردّهم إلى السجود لآدم أظهر الغَناء عن كل وفاقٍ وخلاف.
يقول تعالى: {وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) }