السجود لا يكون عبادة لعينه ولكن لموافقة أمره سبحانه فيه، فكأن سجودهم لآدم عبادة لله لأنه كان بأمره، وتعظيما لآدم لأنه أمرهم به تشريفا لشأنه، فكأن ذلك النوع خضوع له ولكن لا يسمى عبادة، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحّ لغيره سبحانه.
ويقال: بيّن أن تقدّسه- سبحانه- بجلاله لا بأفعالهم، وأن التجمّل بتقديسهم وتسبيحهم عائدٌ إليهم، فهو الذي يُجِلُّ من أجلّه بإجلاله لا بأفعالهم، ويعز من أعزّ قدره سبحانه بإعزازه، جلّ عن إجلال الخلق قدرُه، وعزّ عن إعزاز الخلق ذكرُه.
قوله تعالى: «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ» أبى بقلبه، واستكبر عن السجود بنفسه، {وكان من الكافرين} في سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدةً في دلال طاعته يختال في قميص موافقته، سلّموا له رتبة التقدم، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص، فصار أمره كما قيل:
وكان سراج الوصل أزهرَ بيننا ... فهبّت به ريح من البين فانطفا
كان يحسب لنفسه استحقاق الخيرية، ويحسب استحقاق القربة والخصوصية:
فبات بخيرٍ والدُنَى مطمئنةٌ ... وأصبح يوما والزمان تقلبا
فلا سالف طاعةٍ نفعه، ولا آنف رجعةٍ رفعه، ولا شفاعة شفيع أدركته، ولا سابق عناية أمسكته. ومن غلبه القضاء لا ينفعه العناء.
ولقد حصلت من آدم هفوةٌ بشرية، فتداركته رحمةٌ أحدية، وأما إبليس فأدركته شقوةٌ أزلية، وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه، وضلّ عناؤه.
قال تعالى: {وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) }
أسكنه الجنة ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة، ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولا، وبالخضرة يبسا، وبالوجود فقدا، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه- ويقع منه ما يقع.
ولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدّها لم يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم.
ولا مكان أفضل من الجنة ولا بشرٌ أكيس من آدم، ولا ناصح يقابل قولة إشارة الحق سبحانه عليه (حين حذره الشجرة) ، ولا غريبة منه قبل ارتكابه ما ارتكب، ولا عزيمة أشد من عزيمته- ولكنّ القدرة لا تُكابَر، والحكم لا يُعارَض.
ويقال: لما قال له: «اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا» كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخلق السكون إلى الخلق، والقيام باستجلاب الحظ، وآدم عليه السّلام وحده كان بكل خير وكل